مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

مِيزَانُ الْحِكْمَةِ - الْجُزْءُ 11 - مُحَمَّدُ الرَّيْشَهْرِي

تصفّح
سحب للأسفل
إظهار التشكيل
الصفحة 244 من 245

عن سبيل الله وشاقوا الرسول من بعد ما تبين لهم

الهدى ) * ( 1 ) ، وقوله : * ( وجحدوا بها واستيقنتها

أنفسهم ) * ( 2 ) ، وقوله : * ( وأضله الله على علم ) * ( 3 ) ،

فالآيات - كما ترى - تثبت الارتداد والكفر

والجحود والضلال مع العلم .

فمجرد العلم بالشئ والجزم بكونه حقا

لا يكفي في حصول الإيمان واتصاف من حصل له

به ، بل لابد من الالتزام بمقتضاه وعقد

القلب على مؤداه بحيث يترتب عليه آثاره العملية

ولو في الجملة ، فالذي حصل له

العلم بأن الله تعالى إله لا إله غيره فالتزم

بمقتضاه - وهو عبوديته وعبادته وحده -

كان مؤمنا ، ولو علم به ولم يلتزم فلم يأت بشئ

من الأعمال المظهرة للعبودية كان عالما وليس

بمؤمن .

ومن هنا يظهر بطلان ما قيل : إن الإيمان

هو مجرد العلم والتصديق ، وذلك لما مر أن العلم

ربما يجامع الكفر .

ومن هنا يظهر أيضا بطلان ما قيل : إن الإيمان

هو العمل ، وذلك لأن العمل يجامع النفاق ،

فالمنافق له عمل وربما كان ممن ظهر له الحق

ظهورا علميا ولا إيمان له على أي حال .

وإذ كان الإيمان هو العلم بالشئ مع الالتزام

به بحيث يترتب عليه آثاره العملية ، وكل من

العلم والالتزام مما يزداد وينقص ويشتد

ويضعف ، كان الإيمان المؤلف منهما قابلا للزيادة

والنقيصة والشدة والضعف ، فاختلاف المراتب

وتفاوت الدرجات من الضروريات التي لا يشك

فيها قط .

هذا ما ذهب إليه الأكثر وهو الحق ، ويدل عليه

من النقل قوله تعالى : * ( ليزدادوا إيمانا

مع إيمانهم ) * وغيره من الآيات ، وما ورد من

أحاديث أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) الدالة على أن

الإيمان ذو مراتب .

وذهب جمع منهم أبو حنيفة وإمام الحرمين

وغيرهما إلى أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص ،

واحتجوا عليه بأن الإيمان اسم للتصديق البالغ

حد الجزم والقطع ، وهو مما لا يتصور فيه الزيادة

والنقصان ، فالمصدق إذا ضم إلى تصديقه

الطاعات أو ضم إليه المعاصي فتصديقه بحاله لم

يتغير أصلا .

وأولوا ما دل من الآيات على قبوله الزيادة

والنقصان بأن الإيمان عرض لا يبقى بشخصه

بل بتجدد الأمثال ، فهو بحسب انطباقه على

الزمان بأمثاله المتجددة يزيد وينقص كوقوعه

للنبي ( صلى الله عليه وآله ) مثلا على التوالي من غير فترة

متخللة ، وفي غيره بفترات قليلة أو كثيرة ،

فالمراد بزيادة الإيمان توالي أجزاء الإيمان من

غير فترة أصلا أو بفترات قليلة .

وأيضا للإيمان كثرة بكثرة ما يؤمن به ،

وشرائع الدين لما كانت تنزل تدريجا والمؤمنون

يؤمنون بما ينزل منها ، وكان يزيد عدد الأحكام

حينا بعد حين ، كان إيمانهم أيضا يزيد تدريجا ،

____________________

( 1 ) محمد : 32 .

( 2 ) النمل : 14 .

( 3 ) الجاثية : 23 .

الصفحة 244 من 245