مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

مِيزَانُ الْحِكْمَةِ - الْجُزْءُ 11 - مُحَمَّدُ الرَّيْشَهْرِي

تصفّح
سحب للأسفل
إظهار التشكيل
الصفحة 171 من 245

من العقاب .

عظم الخالق في أنفسهم فصغر ما دونه في

أعينهم ، فهم والجنة كمن قد رآها فهم فيها

منعمون ، وهم والنار كمن قد رآها فهم فيها

معذبون ، قلوبهم محزونة ، وشرورهم مأمونة ،

وأجسادهم نحيفة ، وحاجاتهم خفيفة ، وأنفسهم

عفيفة ، صبروا أياما قصيرة أعقبتهم راحة طويلة ،

تجارة مربحة يسرها لهم ربهم ، أرادتهم الدنيا فلم

يريدوها وأسرتهم ففدوا أنفسهم منها .

أما الليل فصافون أقدامهم ، تالين لأجزاء

القرآن ، يرتلونها ترتيلا ، يحزنون به أنفسهم ،

ويستثيرون به دواء دائهم ، فإذا مروا بآية فيها

تشويق ركنوا إليها طمعا ، وتطلعت نفوسهم إليها

شوقا ، وظنوا أنها نصب أعينهم ، وإذا مروا بآية

فيها تخويف أصغوا إليها مسامع قلوبهم ، وظنوا أن

زفير جهنم وشهيقها في أصول آذانهم ، فهم

حانون على أوساطهم ( 1 ) ، مفترشون لجباههم

وأكفهم وركبهم وأطراف أقدامهم ، يطلبون إلى

الله تعالى في فكاك رقابهم .

وأما النهار فحلماء علماء ، أبرار أتقياء ، قد

براهم الخوف بري القداح ، ينظر إليهم الناظر

فيحسبهم مرضى ، وما بالقوم من مرض ، ويقول :

قد خولطوا ! ولقد خالطهم أمر عظيم ! لا يرضون

من أعمالهم القليل ، ولا يستكثرون الكثير ، فهم

لأنفسهم متهمون ، ومن أعمالهم مشفقون ، إذا

زكي أحد منهم خاف مما يقال له ، فيقول : أنا أعلم

بنفسي من غيري ، وربي أعلم بي مني بنفسي !

اللهم لا تؤاخذني بما يقولون ، واجعلني أفضل مما

يظنون ، واغفر لي ما لا يعلمون .

فمن علامة أحدهم أنك ترى له قوة في دين ،

وحزما في لين ، وإيمانا في يقين ، وحرصا في

علم ، وعلما في حلم ، وقصدا في غنى ، وخشوعا

في عبادة ، وتجملا في فاقة ، وصبرا في شدة ،

وطلبا في حلال ، ونشاطا في هدى ، وتحرجا عن

طمع ، يعمل الأعمال الصالحة وهو على وجل ،

يمسي وهمه الشكر ، ويصبح وهمه الذكر ، يبيت

حذرا ، ويصبح فرحا ، حذرا لما حذر من الغفلة ،

وفرحا بما أصاب من الفضل والرحمة .

إن استصعبت عليه نفسه فيما تكره لم يعطها

سؤلها فيما تحب ، قرة عينه فيما لا يزول ،

وزهادته فيما لا يبقى ، يمزج الحلم بالعلم والقول

بالعمل ، تراه قريبا أمله ، قليلا زلله ، خاشعا

قلبه ، قانعة نفسه ، منزورا أكله ، سهلا أمره ،

حريزا دينه ، ميتة شهوته ، مكظوما غيظه ، الخير

منه مأمول ، والشر منه مأمون .

إن كان في الغافلين كتب في الذاكرين وإن كان

في الذاكرين ، لم يكتب من الغافلين ، يعفو عمن

ظلمه ، ويعطي من حرمه ، ويصل من قطعه ، بعيدا

فحشه ، لينا قوله ، غائبا منكره ، حاضرا معروفه ،

مقبلا خيره ، مدبرا شره .

في الزلازل وقور ، وفي المكاره صبور ، وفي

الرخاء شكور ، لا يحيف على من يبغض ، ولا يأثم

فيمن يحب ، يعترف بالحق قبل أن يشهد عليه ،

____________________

( 1 ) حانون على أوساطهم : من حنيت العود : عطفته ، يصف هيئة

ركوعهم وانحنائهم في الصلاة . كما في هامش نهج البلاغة

للدكتور صبحي الصالح .

الصفحة 171 من 245