مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

مِيزَانُ الْحِكْمَةِ - الْجُزْءُ 10 - مُحَمَّدُ الرَّيْشَهْرِي

تصفّح
سحب للأسفل
إظهار التشكيل
الصفحة 91 من 328

موت أحد منهم ، ولم يمر برجلين يختصمان

أو يقتتلان إلا أصلح بينهما ولم يمض عنهما

حتى يحابا ، ولم يسمع قولا قط من أحد استحسنه

إلا سأل عن تفسيره وعمن أخذه ، وكان يكثر

مجالسة الفقهاء والحكماء ، وكان يغشي القضاة

والملوك والسلاطين فيرثي للقضاة ما ابتلوا

به ، ويرحم للملوك والسلاطين لعزتهم بالله

وطمأنينتهم في ذلك ، ويعتبر ويتعلم ما يغلب

به نفسه ويجاهد به هواه ويحترز به من الشيطان ،

فكان يداوي قلبه بالفكر ، ويداوي نفسه بالعبر ،

وكان لا يظعن إلا فيما ينفعه ، فبذلك أوتي

الحكمة ومنح العصمة .

فإن الله تبارك وتعالى أمر طوائف من الملائكة

حين انتصف النهار وهدأت العيون بالقائلة فنادوا

لقمان حيث يسمع ولا يراهم فقالوا : يا لقمان !

هل لك أن يجعلك الله خليفة في الأرض تحكم

بين الناس ؟ فقال لقمان : إن أمرني الله

بذلك فالسمع والطاعة ، لأنه إن فعل بي

ذلك أعانني عليه وعلمني وعصمني ، وإن هو

خيرني قبلت العافية .

فقالت الملائكة : يا لقمان لم قلت ذلك ؟ قال :

لأن الحكم بين الناس من أشد المنازل من الدين

وأكثرها فتنا وبلاءا ما يخذل ولا يعان ويغشاه

الظلم من كل مكان ، وصاحبه فيه بين أمرين إن

أصاب فيه الحق فبالحري أن يسلم ، وإن أخطأ

أخطأ طريق الجنة ، ومن يكن في الدنيا ذليلا

وضعيفا كان أهون عليه في المعاد أن يكون فيه

حكما سريا شريفا ، ومن اختار الدنيا على الآخرة

يخسرهما كلتيهما تزول هذه ولا تدرك تلك .

قال : فتعجبت الملائكة من حكمته

واستحسن الرحمن منطقه ، فلما أمسى وأخذ

مضجعه من الليل أنزل الله عليه الحكمة فغشاه بها

من قرنه إلى قدمه وهو نائم وغطاه بالحكمة

غطاءا ، فاستيقظ وهو أحكم الناس في زمانه ،

وخرج على الناس ينطق بالحكمة ويثبتها فيها .

قال : فلما أوتي الحكم بالخلافة ولم يقبلها أمر

الله الملائكة فنادت داود بالخلافة فقبلها ولم

يشترط فيها بشرط لقمان ، فأعطاه الله الخلافة في

الأرض وابتلي فيها غير مرة وكل ذلك يهوي في

الخطأ يقبله الله ويغفر له ، وكان لقمان يكثر زيارة

داود ( عليه السلام ) ويعظه بمواعظه وحكمته وفضل علمه ،

وكان داود يقول له : طوبى لك يا لقمان أوتيت

الحكمة وصرفت عنك البلية ، وأعطي داود

الخلافة وابتلي بالحكم والفتنة .

ثم قال أبو عبد الله ( عليه السلام ) * ( وإذ قال لقمان

لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك

لظلم عظيم ) * قال : فوعظ لقمان لابنه بآثار حتى

تفطر وانشق .

وكان فيما وعظه به - يا حماد - أن قال : يا بني

إنك منذ سقطت إلى الدنيا استدبرتها واستقبلت

الآخرة ، فدار أنت إليها تسير أقرب إليك من دار

أنت عنها متباعد ، يا بني جالس العلماء وزاحمهم

بركبتيك ، لا تجادلهم فيمنعوك ، وخذ من الدنيا

بلاغا ولا ترفضها فتكون عيالا على الناس ،

ولا تدخل فيها دخولا يضر بآخرتك ، وصم صوما

يقطع شهوتك ، ولا تصم صياما يمنعك من الصلاة ،

الصفحة 91 من 328