ثانية تنطبق أعماله على الأوضاع والأحوال
المحيطة به المجتمعة المؤتلفة في ظرف حياته .
وهذه الرابطة على نحو الاقتضاء غالبا ، غير
أنها ربما يستقر استقرارا لا مطمع في زوالها
من جهة رسوخ الملكات الرذيلة أو الفاضلة في
نفس الإنسان ، وفي كلامه تعالى ما يشير إلى
ذلك كقوله : * ( إن الذين كفروا سواء عليهم
أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون * ختم الله على
قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ) * ( 1 )
إلى غير ذلك .
ولا يضر ذلك صحة إقامة الحجة عليهم
بالدعوة والإنذار والتبشير ، لأن امتناع
تأثير الدعوة فيهم مستند إلى سوء اختيارهم ،
والامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار .
فقد تبين بما قدمناه على طوله أن للإنسان
شاكلة ، بعد شاكلة فشاكلة يهيؤها نوع خلقته
وخصوصية تركيب بنيته ، وهي شخصية خلقية
متحصلة من تفاعل جهازاته البدنية بعضها
مع بعض كالمزاج الذي هو كيفية متوسطة
حاصلة من تفاعل الكيفيات المتضادة بعضها
في بعض ، وشاكلة أخرى ثانية وهي شخصية
خلقية متحصلة من وجوه تأثير العوامل الخارجية
في النفس الإنسانية على ما فيها من الشاكلة
الأولى إن كانت .
والإنسان على أي شاكلة متحصلة وعلى
أي نعت نفساني وفعلية داخلية روحية كان ،
فإن عمله يجري عليها وأفعاله تمثلها وتحكيها ،
كما أن المتكبر المختال يلوح حاله في تكلمه
وسكوته وقيامه وقعوده وحركته وسكونه ،
والذليل المسكين ظاهر الذلة والمسكنة في جميع
أعماله ، وكذا الشجاع والجبان والسخي والبخيل
والصبور والوقور والعجول وهكذا ، وكيف لا ؟ !
والفعل يمثل فاعله ، والظاهر عنوان الباطن ،
والصورة دليل المعنى .
وكلامه سبحانه يصدق ذلك ويبني عليه
حججه في موارد كثيرة ، كقوله تعالى :
* ( وما يستوي الأعمى والبصير * ولا الظلمات ولا
النور * ولا الظل ولا الحرور * وما يستوي
الأحياء ولا الأموات ) * ( 2 ) وقوله : * ( الخبيثات
للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين
والطيبون للطيبات ) * ( 3 ) إلى غير ذلك من الآيات
الكثيرة .
وقوله تعالى : * ( كل يعمل على شاكلته ) *
محكم في معناه على أي معنى حملنا الشاكلة ،
غير أن اتصال الآية بقوله : * ( وننزل من القرآن ما
هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا
خسارا ) * ووقوعها في سياق أن الله سبحانه يربح
المؤمنين ويشفيهم بالقرآن الكريم والدعوة الحقة
ويخسر به الظالمين لظلمهم ، يقرب كون المراد
بالشاكلة الشاكلة بالمعنى الثاني ، وهي الشخصية
الخلقية الحاصلة للإنسان من مجموع غرائزه
والعوامل الخارجية الفاعلة فيه .
كأنه تعالى لما ذكر استفادة المؤمنين من
____________________
( 1 ) البقرة : 6 ، 7 .
( 2 ) فاطر : 19 - 22 .
( 3 ) النور : 26 .




