مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

مِيزَانُ الْحِكْمَةِ - الْجُزْءُ 10 - مُحَمَّدُ الرَّيْشَهْرِي

تصفّح
سحب للأسفل
إظهار التشكيل
الصفحة 321 من 328

ثانية تنطبق أعماله على الأوضاع والأحوال

المحيطة به المجتمعة المؤتلفة في ظرف حياته .

وهذه الرابطة على نحو الاقتضاء غالبا ، غير

أنها ربما يستقر استقرارا لا مطمع في زوالها

من جهة رسوخ الملكات الرذيلة أو الفاضلة في

نفس الإنسان ، وفي كلامه تعالى ما يشير إلى

ذلك كقوله : * ( إن الذين كفروا سواء عليهم

أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون * ختم الله على

قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ) * ( 1 )

إلى غير ذلك .

ولا يضر ذلك صحة إقامة الحجة عليهم

بالدعوة والإنذار والتبشير ، لأن امتناع

تأثير الدعوة فيهم مستند إلى سوء اختيارهم ،

والامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار .

فقد تبين بما قدمناه على طوله أن للإنسان

شاكلة ، بعد شاكلة فشاكلة يهيؤها نوع خلقته

وخصوصية تركيب بنيته ، وهي شخصية خلقية

متحصلة من تفاعل جهازاته البدنية بعضها

مع بعض كالمزاج الذي هو كيفية متوسطة

حاصلة من تفاعل الكيفيات المتضادة بعضها

في بعض ، وشاكلة أخرى ثانية وهي شخصية

خلقية متحصلة من وجوه تأثير العوامل الخارجية

في النفس الإنسانية على ما فيها من الشاكلة

الأولى إن كانت .

والإنسان على أي شاكلة متحصلة وعلى

أي نعت نفساني وفعلية داخلية روحية كان ،

فإن عمله يجري عليها وأفعاله تمثلها وتحكيها ،

كما أن المتكبر المختال يلوح حاله في تكلمه

وسكوته وقيامه وقعوده وحركته وسكونه ،

والذليل المسكين ظاهر الذلة والمسكنة في جميع

أعماله ، وكذا الشجاع والجبان والسخي والبخيل

والصبور والوقور والعجول وهكذا ، وكيف لا ؟ !

والفعل يمثل فاعله ، والظاهر عنوان الباطن ،

والصورة دليل المعنى .

وكلامه سبحانه يصدق ذلك ويبني عليه

حججه في موارد كثيرة ، كقوله تعالى :

* ( وما يستوي الأعمى والبصير * ولا الظلمات ولا

النور * ولا الظل ولا الحرور * وما يستوي

الأحياء ولا الأموات ) * ( 2 ) وقوله : * ( الخبيثات

للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين

والطيبون للطيبات ) * ( 3 ) إلى غير ذلك من الآيات

الكثيرة .

وقوله تعالى : * ( كل يعمل على شاكلته ) *

محكم في معناه على أي معنى حملنا الشاكلة ،

غير أن اتصال الآية بقوله : * ( وننزل من القرآن ما

هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا

خسارا ) * ووقوعها في سياق أن الله سبحانه يربح

المؤمنين ويشفيهم بالقرآن الكريم والدعوة الحقة

ويخسر به الظالمين لظلمهم ، يقرب كون المراد

بالشاكلة الشاكلة بالمعنى الثاني ، وهي الشخصية

الخلقية الحاصلة للإنسان من مجموع غرائزه

والعوامل الخارجية الفاعلة فيه .

كأنه تعالى لما ذكر استفادة المؤمنين من

____________________

( 1 ) البقرة : 6 ، 7 .

( 2 ) فاطر : 19 - 22 .

( 3 ) النور : 26 .

الصفحة 321 من 328