مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

مِيزَانُ الْحِكْمَةِ - الْجُزْءُ 10 - مُحَمَّدُ الرَّيْشَهْرِي

تصفّح
سحب للأسفل
إظهار التشكيل
الصفحة 320 من 328

وكلامه سبحانه يؤيد ما تقدم على ما يعطيه

التدبر ، فهو سبحانه القائل : * ( والبلد الطيب

يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا

نكدا ) * ( 1 ) وانضمام الآية إلى الآيات الدالة على

عموم الدعوة - كقوله : * ( لأنذركم به ومن بلغ ) * ( 2 ) -

يفيد أن تأثير البنى الإنسانية في الصفات

والأعمال على نحو الاقتضاء دون العلية التامة

كما هو ظاهر .

كيف ؟ ! وهو تعالى يعد الدين فطريا تهتف به

الخلقة التي لا تبديل لها ولا تغيير ، قال : * ( فأقم

وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس

عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ) * ( 3 ) ،

وقال : * ( ثم السبيل يسره ) * ( 4 ) ولا تجامع دعوة

الفطرة إلى الدين الحق والسنة المعتدلة دعوة

الخلقة إلى الشر والفساد والانحراف عن الاعتدال

بنحو العلية التامة .

وقول القائل : إن السعادة والشقاوة ذاتيتان

لا تتخلفان عن ملزومهما كزوجية الأربعة وفردية

الثلاثة أو مقضيتان بقضاء أزلي لازم ، وأن

الدعوة لإتمام الحجة لا لإمكان التغيير ورجاء

التحول من حال إلى حال ، فالأمر مفروغ عنه

قال تعالى : * ( ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من

حي عن بينة ) * .

مدفوع : بأن صحة إقامة الحجة بعينها

حجة على عدم كون سعادة السعيد وشقاوة الشقي

لازمة ضرورية ، فإن السعادة والشقاوة لو كانتا

من لوازم الذوات لم تحتاجا في لحوقهما إلى

حجة ، إذ لا حجة في الذاتيات فتلغو الحجة ،

وكذا لو كانتا لازمتين للذوات بقضاء لازم أزلي

لا لاقتضاء ذاتي من الذوات كانت الحجة للناس

على الله سبحانه ، فتلغو الحجة منه تعالى ، فصحة

إقامة الحجة من قبله سبحانه تكشف عن عدم

ضرورية شئ من السعادة والشقاوة بالنظر إلى

ذات الإنسان مع قطع النظر عن أعماله الحسنة

والسيئة واعتقاداته الحقة والباطلة .

على أن توسل الإنسان بالفطرة إلى مقاصد

الحياة - بمثل التعليم والتربية والإنذار والتبشير

والوعد والوعيد والأمر والنهي وغير ذلك - أوضح

دليل على أن الإنسان في نفسه على ملتقى خطين

ومنشعب طريقين : السعادة والشقاوة ، وفي

إمكانه أن يختار أيا منهما شاء وأن يسلك أيا

منهما أراد ، ولكل سعي جزاء يناسبه ، قال تعالى :

* ( وأن ليس للإنسان إلا ما سعى * وأن سعيه

سوف يرى * ثم يجزاه الجزاء الأوفى ) * ( 5 ) .

فهذا نوع من الارتباط مستقر بين الأعمال

والملكات وبين الذوات ، وهناك نوع آخر من

الارتباط مستقر بين الأعمال والملكات وبين

الأوضاع والأحوال والعوامل الخارجة عن الذات

الإنسانية المستقرة في ظرف الحياة وجو العيش ،

كالآداب والسنن والرسوم والعادات التقليدية ،

فإنها تدعو الإنسان إلى ما يوافقها وتزجره عن

مخالفتها ، ولا تلبث دون أن تصوره صورة جديدة

____________________

( 1 ) الأعراف : 58 .

( 2 ) الأنعام : 19 .

( 3 ) الروم : 30 .

( 4 ) عبس : 20 .

( 5 ) النجم : 39 - 41 .

الصفحة 320 من 328