مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

مِيزَانُ الْحِكْمَةِ - الْجُزْءُ 10 - مُحَمَّدُ الرَّيْشَهْرِي

تصفّح
سحب للأسفل
إظهار التشكيل
الصفحة 265 من 328

وفنون من مكائدهم ، كانسلالهم من الجند

الإسلامي يوم أحد وهم ثلثهم تقريبا ، وعقدهم

الحلف مع اليهود ، واستنهاضهم على المسلمين ،

وبنائهم مسجد الضرار ، وإشاعتهم حديث الإفك ،

وإثارتهم الفتنة في قصة السقاية وقصة العقبة . . .

إلى غير ذلك مما تشير إليه الآيات ، حتى بلغ

أمرهم في الإفساد وتقليب الأمور على النبي ( صلى الله عليه وآله )

إلى حيث هددهم الله بمثل قوله : * ( لئن لم ينته

المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون

في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها

إلا قليلا ملعونين أينما ثقفوا اخذوا وقتلوا

تقتيلا ) * ( 1 ) .

وقد استفاضت الأخبار وتكاثرت في أن

عبد الله بن أبي بن سلول وأصحابه من المنافقين

وهم الذين كانوا يقلبون الأمور على النبي ( صلى الله عليه وآله )

ويتربصون به الدوائر ، وكانوا معروفين عند

المؤمنين يقربون من ثلث القوم ، وهم الذين

خذلوا المؤمنين يوم أحد فانمازوا منهم ورجعوا

إلى المدينة قائلين : لو نعلم قتالا لاتبعناكم

وهم عبد الله بن أبي وأصحابه .

ومن هنا ذكر بعضهم أن حركة النفاق

بدأت بدخول الإسلام المدينة واستمرت إلى

قرب وفاة النبي ( صلى الله عليه وآله ) .

هذا ما ذكره جمع منهم ، لكن التدبر

في حوادث زمن النبي ( صلى الله عليه وآله ) والإمعان في الفتن

الواقعة بعد الرحلة والاعتناء بطبيعة الاجتماع

الفعالة يقضي عليه بالنظر :

أما أولا : فلا دليل مقنعا على عدم تسرب

النفاق في متبعي النبي ( صلى الله عليه وآله ) المؤمنين بمكة

قبل الهجرة ، وقول القائل : ان النبي ( صلى الله عليه وآله )

والمسلمين بمكة قبل الهجرة لم يكونوا من القوة

ونفوذ الأمر وسعة الطول بحيث يهابهم الناس

ويتقوهم أو يرجوا منهم خيرا حتى يظهروا لهم

الإيمان ظاهرا ويتقربوا منهم بالإسلام ، وهم

مضطهدون مفتنون معذبون بأيدي صناديد قريش

ومشركي مكة المعادين لهم المعاندين للحق ،

بخلاف حال النبي ( صلى الله عليه وآله ) بالمدينة بعد الهجرة

فإنه ( صلى الله عليه وآله ) هاجر إليها وقد كسب أنصارا من الأوس

والخزرج واستوثق من أقوياء رجالهم أن يدفعوا

عنهم كما يدفعون عن أنفسهم وأهليهم ، وقد دخل

الإسلام في بيوت عامتهم فكان مستظهرا بهم

على العدة القليلة الذين لم يؤمنوا به وبقوا على

شركهم ، ولم يكن يسعهم أن يعلنوا مخالفتهم

ويظهروا شركهم فتوقوا الشر بإظهار الإسلام ،

فآمنوا به ظاهرا وهم على كفرهم باطنا ، فدسوا

الدسائس ومكروا ما مكروا .

غير تام ، فما القدرة والقوة المخالفة

المهيبة ورجاء الخير بالفعل والاستدرار المعجل

علة منحصرة للنفاق حتى يحكم بانتفاء النفاق

لانتفائها ، فكثيرا ما نجد في المجتمعات رجالا

يتبعون كل داع ويتجمعون إلى كل ناعق ،

ولا يعبؤون بمخالفة القوى المخالفة القاهرة

الطاحنة ، ويعيشون على خطر مصرين على ذلك

رجاء أن يوفقوا يوما لإجراء مرامهم ويتحكموا

على الناس باستقلالهم بإدارة رحى المجتمع

والعلو في الأرض ، وقد كان النبي ( صلى الله عليه وآله ) يذكر

____________________

( 1 ) الأحزاب : 61 .

الصفحة 265 من 328