في دعوته لقومه أن لو آمنوا به واتبعوه
كانوا ملوك الأرض .
فمن الجائز عقلا أن يكون بعض من آمن
به يتبعه في ظاهر دينه طمعا في البلوغ بذلك
إلى أمنيته وهي التقدم والرئاسة والاستعلاء ،
والأثر المترتب على هذا النوع من النفاق ليس
هو تقليب الأمور وتربص الدوائر على الإسلام
والمسلمين وإفساد المجتمع الديني ، بل
تقويته بما أمكن وتفديته بالمال والجاه
لينتظم بذلك الأمور ويتهيأ لاستفادته منه
واستدراره لنفع شخصه . .
نعم يمكر مثل هذا المنافق بالمخالفة
والمضادة فيما إذا لاح من الدين مثلا ما
يخالف أمنية تقدمه وتسلطه ، إرجاعا للأمر
إلى سبيل ينتهي إلى غرضه الفاسد .
وأيضا من الممكن أن يكون بعض المسلمين
يرتاب في دينه فيرتد ويكتم ارتداده ، كما
مرت الإشارة إليه في قوله تعالى : * ( ذلك بأنهم
آمنوا ثم كفروا . . . ) * الآية ، وكما يظهر من لحن مثل
قوله تعالى : * ( يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم
عن دينه فسوف يأتي الله بقوم ) * ( 1 ) .
وأيضا الذين آمنوا من مشركي مكة يوم
الفتح لا يؤمن أكثرهم أن لا يؤمنوا إيمان صدق
وإخلاص ، ومن البديهي عند من تدبر في حوادث
سني الدعوة أن كفار مكة وما والاها - وخاصة
صناديد قريش - ما كانوا ليؤمنوا بالنبي ( صلى الله عليه وآله ) لولا
سواد جنود غشيتهم وبريق سيوف مسلطة فوق
رؤوسهم يوم الفتح ، وكيف يمكن مع ذلك القضاء
بأنه حدث في قلوبهم - والظرف هذا الظرف -
نور الإيمان وفي نفوسهم الإخلاص واليقين
فآمنوا بالله طوعا عن آخرهم ولم يدب فيهم
دبيب النفاق أصلا .
وأما ثانيا : فلأن استمرار النفاق إلى
قرب رحلة النبي ( صلى الله عليه وآله ) وانقطاعه عند ذلك ممنوع ،
نعم انقطع الخبر عن المنافقين بالرحلة وانعقاد
الخلافة وانمحى أثرهم ، فلم يظهر منهم ما
كان يظهر من الآثار المضادة والمكائد
والدسائس المشؤومة .
فهل كان ذلك لأن المنافقين وفقوا للإسلام
وأخلصوا الإيمان عن آخرهم برحلة النبي ( صلى الله عليه وآله )
وتأثرت قلوبهم من موته ما لم يتأثر
بحياته ؟ أو أنهم صالحوا أولياء الحكومة
الإسلامية على ترك المزاحمة بأن يسمح لهم
ما فيه أمنيتهم مصالحة سرية بعد الرحلة أو
قبلها ؟ أو أنه وقع هناك تصالح اتفاقي بينهم
وبين المسلمين فوردوا جميعا في مشرعة سواء
فارتفع التصاك والتصادم ؟ .
ولعل التدبر الكافي في حوادث آخر عهد
النبي ( صلى الله عليه وآله ) والفتن الواقعة بعد رحلته يهدي
إلى الحصول على جواب شاف لهذه الأسئلة .
والذي أوردناه في هذا الفصل إشارة إجمالية
إلى سبيل البحث ( 2 ) .
أقول : وقال العلامة في تفسير قوله تعالى :
____________________
( 1 ) المائدة : 54 .
( 2 ) تفسير الميزان : 19 / 287 .




