مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

مِيزَانُ الْحِكْمَةِ - الْجُزْءُ 10 - مُحَمَّدُ الرَّيْشَهْرِي

تصفّح
سحب للأسفل
إظهار التشكيل
الصفحة 266 من 328

في دعوته لقومه أن لو آمنوا به واتبعوه

كانوا ملوك الأرض .

فمن الجائز عقلا أن يكون بعض من آمن

به يتبعه في ظاهر دينه طمعا في البلوغ بذلك

إلى أمنيته وهي التقدم والرئاسة والاستعلاء ،

والأثر المترتب على هذا النوع من النفاق ليس

هو تقليب الأمور وتربص الدوائر على الإسلام

والمسلمين وإفساد المجتمع الديني ، بل

تقويته بما أمكن وتفديته بالمال والجاه

لينتظم بذلك الأمور ويتهيأ لاستفادته منه

واستدراره لنفع شخصه . .

نعم يمكر مثل هذا المنافق بالمخالفة

والمضادة فيما إذا لاح من الدين مثلا ما

يخالف أمنية تقدمه وتسلطه ، إرجاعا للأمر

إلى سبيل ينتهي إلى غرضه الفاسد .

وأيضا من الممكن أن يكون بعض المسلمين

يرتاب في دينه فيرتد ويكتم ارتداده ، كما

مرت الإشارة إليه في قوله تعالى : * ( ذلك بأنهم

آمنوا ثم كفروا . . . ) * الآية ، وكما يظهر من لحن مثل

قوله تعالى : * ( يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم

عن دينه فسوف يأتي الله بقوم ) * ( 1 ) .

وأيضا الذين آمنوا من مشركي مكة يوم

الفتح لا يؤمن أكثرهم أن لا يؤمنوا إيمان صدق

وإخلاص ، ومن البديهي عند من تدبر في حوادث

سني الدعوة أن كفار مكة وما والاها - وخاصة

صناديد قريش - ما كانوا ليؤمنوا بالنبي ( صلى الله عليه وآله ) لولا

سواد جنود غشيتهم وبريق سيوف مسلطة فوق

رؤوسهم يوم الفتح ، وكيف يمكن مع ذلك القضاء

بأنه حدث في قلوبهم - والظرف هذا الظرف -

نور الإيمان وفي نفوسهم الإخلاص واليقين

فآمنوا بالله طوعا عن آخرهم ولم يدب فيهم

دبيب النفاق أصلا .

وأما ثانيا : فلأن استمرار النفاق إلى

قرب رحلة النبي ( صلى الله عليه وآله ) وانقطاعه عند ذلك ممنوع ،

نعم انقطع الخبر عن المنافقين بالرحلة وانعقاد

الخلافة وانمحى أثرهم ، فلم يظهر منهم ما

كان يظهر من الآثار المضادة والمكائد

والدسائس المشؤومة .

فهل كان ذلك لأن المنافقين وفقوا للإسلام

وأخلصوا الإيمان عن آخرهم برحلة النبي ( صلى الله عليه وآله )

وتأثرت قلوبهم من موته ما لم يتأثر

بحياته ؟ أو أنهم صالحوا أولياء الحكومة

الإسلامية على ترك المزاحمة بأن يسمح لهم

ما فيه أمنيتهم مصالحة سرية بعد الرحلة أو

قبلها ؟ أو أنه وقع هناك تصالح اتفاقي بينهم

وبين المسلمين فوردوا جميعا في مشرعة سواء

فارتفع التصاك والتصادم ؟ .

ولعل التدبر الكافي في حوادث آخر عهد

النبي ( صلى الله عليه وآله ) والفتن الواقعة بعد رحلته يهدي

إلى الحصول على جواب شاف لهذه الأسئلة .

والذي أوردناه في هذا الفصل إشارة إجمالية

إلى سبيل البحث ( 2 ) .

أقول : وقال العلامة في تفسير قوله تعالى :

____________________

( 1 ) المائدة : 54 .

( 2 ) تفسير الميزان : 19 / 287 .

الصفحة 266 من 328