بماله ، وهو جاهل بأن بقية الأسباب الخارجة عن
اختياره الناقص - وهي ألوف وألوف - لو لم يمهد
له الأمر لم يسد اختياره شيئا ، ولا أغنى عن
شئ . يقول الجاهل : لو أني فعلت كذا لما
تضررت بكذا ، أو لما فات عني كذا ، وهو جاهل
بأن هذا الفوت أو الموت يستند عدمه - أعني
الربح أو العافية ، أو الحياة - إلى ألوف وألوف
من العلل يكفي في انعدامها - أعني في تحقق
الفوات أو الموت - انعدام واحد منها ، وإن كان
اختياره موجودا . على أن نفس اختيار الإنسان
مستند إلى علل كثيرة خارجة عن اختيار
الإنسان ، فالاختيار لا يكون بالاختيار .
فإذا عرفت ما ذكرنا - وهو حقيقة قرآنية
يعطيها التعليم الإلهي كما مر - ثم تدبرت
في الآيات الشريفة التي في المورد ، وجدت أن
القرآن يستند إلى القضاء المحتوم والكتاب
المحفوظ في إصلاح بعض الأخلاق دون بعض .
فما كان من الأفعال أو الأحوال والملكات
يوجب استنادها إلى القضاء والقدر إبطال حكم
الاختيار فإن القرآن لا يستند إليه ، بل يدفعه كل
الدفع ، كقوله تعالى : * ( وإذا فعلوا فاحشة قالوا
وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر
بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون ) * ( 1 ) .
وما كان منها يوجب سلب استنادها إلى
القضاء إثبات استقلال اختيار الإنسان في التأثير ،
وكونه سببا تاما غير محتاج في التأثير ، ومستغنيا
عن غيره ، فإنه يثبت استناده إلى القضاء ويهدي
الإنسان إلى مستقيم الصراط الذي لا يخطئ
بسالكه ، حتى ينتفي عنه رذائل الصفات التي
تتبعه كإسناد الحوادث إلى القضاء كي لا يفرح
الإنسان بما وجده جهلا ، ولا يحزن بما فقده
جهلا ، كما في قوله تعالى : * ( وآتوهم من مال الله
الذي آتاكم ) * ( 2 ) ، فإنه يدعو إلى الجود بإسناد
المال إلى إيتاء الله تعالى ، وكما في قوله تعالى :
* ( ومما رزقناهم ينفقون ) * ( 3 ) ، فإنه يندب إلى
الإنفاق بالاستناد إلى أنه من رزق الله تعالى ، وكما
في قوله تعالى : * ( فلعلك باخع نفسك على آثارهم
إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا إنا جعلنا ما على
الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا ) * ( 4 ) ،
نهى رسوله ( صلى الله عليه وآله ) عن الحزن والغم استنادا إلى أن
كفرهم ليس غلبة منهم على الله سبحانه ، بل ما
على الأرض من شئ أمور مجعولة عليها للابتلاء
والامتحان إلى غير ذلك .
وهذا المسلك - أعني الطريقة الثانية
في إصلاح الأخلاق - طريقة الأنبياء ، ومنه
شئ كثير في القرآن ، وفيما ينقل إلينا من
الكتب السماوية .
وهاهنا مسلك ثالث مخصوص بالقرآن
الكريم لا يوجد في شئ مما نقل إلينا من الكتب
السماوية ، وتعاليم الأنبياء الماضين سلام الله
عليهم أجمعين ، ولا في المعارف المأثورة من
الحكماء الإلهيين ، وهو تربية الإنسان وصفا
____________________
( 1 ) الأعراف : 28 .
( 2 ) النور : 33 .
( 3 ) البقرة : 3 .
( 4 ) الكهف : 7 .




