مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

مِيزَانُ الْحِكْمَةِ - الْجُزْءُ 10 - مُحَمَّدُ الرَّيْشَهْرِي

تصفّح
سحب للأسفل
إظهار التشكيل
الصفحة 252 من 328

بماله ، وهو جاهل بأن بقية الأسباب الخارجة عن

اختياره الناقص - وهي ألوف وألوف - لو لم يمهد

له الأمر لم يسد اختياره شيئا ، ولا أغنى عن

شئ . يقول الجاهل : لو أني فعلت كذا لما

تضررت بكذا ، أو لما فات عني كذا ، وهو جاهل

بأن هذا الفوت أو الموت يستند عدمه - أعني

الربح أو العافية ، أو الحياة - إلى ألوف وألوف

من العلل يكفي في انعدامها - أعني في تحقق

الفوات أو الموت - انعدام واحد منها ، وإن كان

اختياره موجودا . على أن نفس اختيار الإنسان

مستند إلى علل كثيرة خارجة عن اختيار

الإنسان ، فالاختيار لا يكون بالاختيار .

فإذا عرفت ما ذكرنا - وهو حقيقة قرآنية

يعطيها التعليم الإلهي كما مر - ثم تدبرت

في الآيات الشريفة التي في المورد ، وجدت أن

القرآن يستند إلى القضاء المحتوم والكتاب

المحفوظ في إصلاح بعض الأخلاق دون بعض .

فما كان من الأفعال أو الأحوال والملكات

يوجب استنادها إلى القضاء والقدر إبطال حكم

الاختيار فإن القرآن لا يستند إليه ، بل يدفعه كل

الدفع ، كقوله تعالى : * ( وإذا فعلوا فاحشة قالوا

وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر

بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون ) * ( 1 ) .

وما كان منها يوجب سلب استنادها إلى

القضاء إثبات استقلال اختيار الإنسان في التأثير ،

وكونه سببا تاما غير محتاج في التأثير ، ومستغنيا

عن غيره ، فإنه يثبت استناده إلى القضاء ويهدي

الإنسان إلى مستقيم الصراط الذي لا يخطئ

بسالكه ، حتى ينتفي عنه رذائل الصفات التي

تتبعه كإسناد الحوادث إلى القضاء كي لا يفرح

الإنسان بما وجده جهلا ، ولا يحزن بما فقده

جهلا ، كما في قوله تعالى : * ( وآتوهم من مال الله

الذي آتاكم ) * ( 2 ) ، فإنه يدعو إلى الجود بإسناد

المال إلى إيتاء الله تعالى ، وكما في قوله تعالى :

* ( ومما رزقناهم ينفقون ) * ( 3 ) ، فإنه يندب إلى

الإنفاق بالاستناد إلى أنه من رزق الله تعالى ، وكما

في قوله تعالى : * ( فلعلك باخع نفسك على آثارهم

إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا إنا جعلنا ما على

الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا ) * ( 4 ) ،

نهى رسوله ( صلى الله عليه وآله ) عن الحزن والغم استنادا إلى أن

كفرهم ليس غلبة منهم على الله سبحانه ، بل ما

على الأرض من شئ أمور مجعولة عليها للابتلاء

والامتحان إلى غير ذلك .

وهذا المسلك - أعني الطريقة الثانية

في إصلاح الأخلاق - طريقة الأنبياء ، ومنه

شئ كثير في القرآن ، وفيما ينقل إلينا من

الكتب السماوية .

وهاهنا مسلك ثالث مخصوص بالقرآن

الكريم لا يوجد في شئ مما نقل إلينا من الكتب

السماوية ، وتعاليم الأنبياء الماضين سلام الله

عليهم أجمعين ، ولا في المعارف المأثورة من

الحكماء الإلهيين ، وهو تربية الإنسان وصفا

____________________

( 1 ) الأعراف : 28 .

( 2 ) النور : 33 .

( 3 ) البقرة : 3 .

( 4 ) الكهف : 7 .

الصفحة 252 من 328