مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

مِيزَانُ الْحِكْمَةِ - الْجُزْءُ 10 - مُحَمَّدُ الرَّيْشَهْرِي

تصفّح
سحب للأسفل
إظهار التشكيل
الصفحة 253 من 328

وعلما باستعمال علوم ومعارف لا يبقى معها

موضوع الرذائل ، وبعبارة أخرى : إزالة الأوصاف

الرذيلة بالرفع لا بالدفع .

وذلك كما أن كل فعل يراد به غير الله سبحانه

فالغاية المطلوبة منه إما عزة في المطلوب يطمع

فيها ، أو قوة يخاف منها ويحذر عنها ، لكن الله

سبحانه يقول : * ( إن العزة لله جميعا ) * ( 1 ) ، ويقول :

* ( إن القوة لله جميعا ) * ( 2 ) ، والتحقق بهذا العلم الحق

لا يبقي موضوعا لرياء ، ولا سمعة ، ولا خوف من

غير الله ، ولا رجاء لغيره ، ولا ركون إلى غيره ،

فهاتان القضيتان إذا صارتا معلومتين للإنسان

تغسلان كل ذميمة - وصفا أو فعلا - عن الإنسان

تحليان نفسه بحلية ما يقابلها من الصفات

الكريمة الإلهية من التقوى بالله ، والتعزز بالله

وغيرهما من مناعة وكبرياء واستغناء وهيبة إلهية

ربانية .

وأيضا قد تكرر في كلامه تعالى أن الملك لله ،

وأن له ملك السماوات والأرض ، وأن له ما في

السماوات والأرض ، وقد مر بيانه مرارا ، وحقيقة

هذا الملك - كما هو ظاهر - لا تبقي لشئ من

الموجودات استقلالا دونه ، واستغناء عنه بوجه

من الوجوه ، فلا شئ إلا وهو سبحانه المالك

لذاته ولكل ما لذاته ، وإيمان الإنسان بهذا

الملك وتحققه به يوجب سقوط جميع الأشياء

ذاتا ووصفا وفعلا عنده عن درجة الاستقلال ،

فهذا الإنسان لا يمكنه أن يريد غير وجهه تعالى ،

ولا أن يخضع لشئ ، أو يخاف أو يرجو شيئا ، أو

يلتذ أو يبتهج بشئ ، أو يركن إلى شئ ، أو يتوكل

على شئ ، أو يسلم لشئ ، أو يفوض إلى شئ ،

غير وجهه تعالى . وبالجملة : لا يريد ولا يطلب

شيئا إلا وجهه الحق الباقي بعد فناء كل شئ ،

ولا يعرض إعراضا ولا يهرب إلا عن الباطل الذي

هو غيره الذي لا يرى لوجوده وقعا ولا يعبأ به

قبال الحق الذي هو وجود باريه جل شأنه .

وكذلك قوله تعالى : * ( الله لا إله إلا هو له

الأسماء الحسنى ) * ( 3 ) ، وقوله : * ( ذلكم الله ربكم

لا إله إلا هو خالق كل شئ ) * ( 4 ) ، وقوله : * ( الذي

أحسن كل شئ خلقه ) * ( 5 ) ، وقوله : * ( وعنت

الوجوه للحي القيوم ) * ( 6 ) ، وقوله : * ( كل له

قانتون ) * ( 7 ) ، وقوله : * ( وقضى ربك ألا تعبدوا إلا

إياه ) * ( 8 ) ، وقوله : * ( أولم يكف بربك أنه على كل

شئ شهيد ) * ( 9 ) وقوله : * ( ألا إنه بكل شئ

محيط ) * ( 10 ) ، وقوله : * ( وأن إلى ربك المنتهى ) * ( 11 ) .

ومن هذا الباب الآيات التي نحن فيها وهي

قوله تعالى : * ( وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم

مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون . . . ) * إلى

آخرها ، فإن هذه الآيات وأمثالها مشتملة على

معارف خاصة إلهية ذات نتائج خاصة حقيقية

____________________

( 1 ) يونس : 65 .

( 2 ) البقرة : 165 .

( 3 ) طه : 8 .

( 4 ) الأنعام : 102 .

( 5 ) السجدة : 7 .

( 6 ) طه : 111 .

( 7 ) البقرة : 116 .

( 8 ) الإسراء : 23 .

( 9 ) فصلت : 53 .

( 10 ) فصلت : 54 .

( 11 ) النجم : 42 .

الصفحة 253 من 328