مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

مِيزَانُ الْحِكْمَةِ - الْجُزْءُ 10 - مُحَمَّدُ الرَّيْشَهْرِي

تصفّح
سحب للأسفل
إظهار التشكيل
الصفحة 251 من 328

إن ذلك على الله يسير ) * فإن الآية دعت إلى ترك

الأسى والفرح بأن الذي أصابكم ما كان ليخطئكم

وما أخطأكم ما كان ليصيبكم ، لاستناد الحوادث

إلى قضاء مقضي وقدر مقدر ، فالأسى والفرح لغو

لا ينبغي صدوره من مؤمن يؤمن بالله الذي بيده

أزمة الأمور ، كما يشير إليه قوله تعالى : * ( ما

أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد

قلبه ) * فهذا القسم من الآيات أيضا نظير القسم

السابق الذي يتسبب فيه إلى إصلاح الأخلاق

بالغايات الشريفة الأخروية ، وهي كمالات

حقيقية غير ظنية يتسبب فيه إلى إصلاح الأخلاق

بالمبادئ السابقة - الحقيقية من القدر والقضاء

والتخلق بأخلاق الله والتذكر بأسماء الله الحسنى

وصفاته العليا ونحو ذلك .

فان قلت : التسبب بمثل القضاء والقدر يوجب

بطلان أحكام هذه النشأة الاختيارية ، وفي ذلك

بطلان الأخلاق الفاضلة ، واختلال نظام هذه

النشأة الطبيعية ، فإنه لو جاز الاستناد في إصلاح

صفة الصبر والثبات وترك الفرح والأسى - كما

استفيد من الآية السابقة - إلى كون الحوادث

مكتوبة في لوح محفوظ ومقضية بقضاء محتوم ،

أمكن الاستناد إلى ذلك في ترك طلب الرزق ،

وكسب كل كمال مطلوب ، والإتقاء عن كل رذيلة

خلقية وغير ذلك ، فيجوز حينئذ أن نقعد عن طلب

الرزق والدفاع عن الحق ونحو ذلك بأن الذي

سيقع منه مقضي مكتوب ، وكذا يجوز أن نترك

السعي في كسب كل كمال وترك كل نقص

بالاستناد إلى حتم القضاء وحقيقة الكتاب ، وفي

ذلك بطلان كل كمال .

قلت : قد ذكرنا في البحث عن القضاء ما

يتضح به الجواب عن هذا الإشكال ، فقد ذكرنا ثم

أن الأفعال الإنسانية من أجزاء علل الحوادث ،

ومن المعلوم أن المعاليل والمسببات يتوقف

وجودها على وجود أسبابها وأجزاء أسبابها ،

فقول القائل : إن الشبع إما مقضي الوجود وإما

مقضي العدم ، وعلى كل حال فلا تأثير للأكل ،

غلط فاحش ، فإن الشبع فرض تحققه في الخارج

لا يستقيم إلا بعد فرض تحقق الأكل الاختياري

الذي هو أحد أجزاء علله ، فمن الخطاء أن يفرض

الإنسان معلولا من المعاليل ، ثم يحكم بإلغاء علله

أو شئ من أجزاء علله .

فغير جايز أن يبطل الإنسان حكم الاختيار

الذي عليه مدار حياته الدنيوية ، وإليه تنتسب

سعادته وشقاؤه ، وهو أحد أجزاء علل الحوادث

التي تلحق وجوده من أفعاله أو الأحوال

والملكات الحاصلة من أفعاله ، غير أنه كما

لا يجوز له إخراج إرادته واختياره من زمرة

العلل ، وإبطال حكمه في التأثير ، كذلك لا يجوز له

أن يحكم بكون اختياره سببا وحيدا وعلة تامة

إليه تستند الحوادث ، من غير أن يشاركه شئ

آخر من أجزاء العالم والعلل الموجودة فيه التي

في رأسها الإرادة الإلهية ، فإنه يتفرع عليه كثير

من الصفات المذمومة كالعجب والكبر والبخل

والفرح والأسى والغم . . . ونحو ذلك

يقول الجاهل : أنا الذي فعلت كذا ، وتركت

كذا فيعجب بنفسه أو يستكبر على غيره أو يبخل

الصفحة 251 من 328