مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

مِيزَانُ الْحِكْمَةِ - الْجُزْءُ 10 - مُحَمَّدُ الرَّيْشَهْرِي

تصفّح
سحب للأسفل
إظهار التشكيل
الصفحة 250 من 328

إذا عرفت ما ذكرناه علمت أن الطريق

إلى تهذيب الأخلاق واكتساب الفاضلة منها

أحد مسلكين :

المسلك الأول : تهذيبها بالغايات الصالحة

الدنيوية ، والعلوم والآراء المحمودة عند الناس ،

كما يقال : إن العفة وقناعة الإنسان بما عنده

والكف عما عند الناس توجب العزة والعظمة في

أعين الناس والجاه عند العامة ، وإن الشره يوجب

الخصاصة والفقر ، وإن الطمع يوجب ذلة النفس

المنيعة ، وإن العلم يوجب إقبال العامة والعزة

والوجاهة والانس عند الخاصة ، وإن العلم بصر

يتقي به الإنسان كل مكروه ، ويدرك كل محبوب ،

وإن الجهل عمى ، وإن العلم يحفظك وأنت تحفظ

المال وإن الشجاعة ثبات يمنع النفس عن التلون

والحمد من الناس على أي تقدير سواء غلب

الإنسان أو غلب عليه بخلاف الجبن والتهور ، وإن

العدالة راحة النفس عن الهمم المؤذية ، وهي

الحياة بعد الموت ببقاء الاسم وحسن الذكر

وجميل الثناء والمحبة في القلوب .

وهذا هو المسلك المعهود الذي رتب عليه

علم الأخلاق ، والمأثور من بحث الأقدمين من

يونان وغيرهم فيه .

ولم يستعمل القرآن هذا المسلك الذي بناؤه على

انتخاب الممدوح عند عامة الناس عن المذموم

عندهم ، والأخذ بما يستحسنه الاجتماع وترك ما

يستقبحه ، نعم ربما جرى عليه كلامه تعالى فيما

يرجع بالحقيقة إلى ثواب أخروي أو عقاب

أخروي كقوله تعالى : * ( وحيث ما كنتم فولوا

وجوهكم شطره لئلا يكون للناس عليكم

حجة ) * ( 1 ) ، دعا سبحانه إلى العزم والثبات ،

وعلله بقوله : * ( لئلا يكون ) * وكقوله تعالى : * ( ولا

تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا ) * ( 2 ) ،

دعا سبحانه إلى الصبر وعلله بأن تركه وإيجاد

النزاع يوجب الفشل وذهاب الريح وجرأة العدو ،

وقوله تعالى : * ( ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن

عزم الأمور ) * ( 3 ) دعا إلى الصبر والعفو ، وعلله

بالعزم والإعظام .

المسلك الثاني : الغايات الأخروية ، وقد كثر

ذكرها في كلامه تعالى ، كقوله سبحانه : * ( إن الله

اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم

الجنة ) * ( 4 ) ، وقوله تعالى : * ( إنما يوفى الصابرون

أجرهم بغير حساب ) * ( 5 ) ، وقوله تعالى : * ( إن

الظالمين لهم عذاب أليم ) * ( 6 ) ، وقوله تعالى : * ( الله

ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور

والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من

النور إلى الظلمات ) * ( 7 ) ، وأمثالها كثيرة على

اختلاف فنونها .

ويلحق بهذا القسم نوع آخر من الآيات ،

كقوله تعالى : * ( ما أصاب من مصيبة في الأرض

ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها

____________________

( 1 ) البقرة : 150 .

( 2 ) الأنفال : 46 .

( 3 ) الشورى : 43 .

( 4 ) التوبة : 111 .

( 5 ) الزمر : 10 .

( 6 ) إبراهيم : 22 .

( 7 ) البقرة : 257 .

الصفحة 250 من 328