مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

مِيزَانُ الْحِكْمَةِ - الْجُزْءُ 10 - مُحَمَّدُ الرَّيْشَهْرِي

تصفّح
سحب للأسفل
إظهار التشكيل
الصفحة 245 من 328

وأعماله ، لا بالجهات الجسمانية والأحكام

الاجتماعية .

فهذه معان تعطيها هذه الآية الشريفة ، وواضح

أنها أحكام تغاير الأحكام الجسمانية ، وتتنافى

الخواص المادية الدنيوية من جميع جهاتها ،

فالنفس الإنسانية غير البدن .

ومما يدل عليه من الآيات قوله تعالى :

* ( الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في

منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل

الأخرى ) * ( 1 ) ، والتوفي والاستيفاء هو أخذ الحق

بتمامه وكماله ، وما تشتمل عليه الآية - من الأخذ

والإمساك والإرسال - ظاهر في المغايرة بين

النفس والبدن .

ومن الآيات قوله تعالى : * ( وقالوا أإذا ضللنا

في الأرض أإنا لفي خلق جديد بل هم بلقاء ربهم

كافرون * قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم

ثم إلى ربكم ترجعون ) * ( 2 ) ، ذكر سبحانه شبهة من

شبهات الكفار المنكرين للمعاد ، وهو أنا بعد

الموت وانحلال تركيب أبداننا تتفرق أعضاؤنا ،

وتبدد أجزاؤنا ، وتتبدل صورنا فنضل في

الأرض ، ويفقدنا حواس المدركين ، فكيف يمكن

أن نقع ثانيا في خلق جديد ؟ وهذا استبعاد

محض ، وقد لقن تعالى على رسوله : الجواب عنه ،

بقوله : * ( قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل

بكم . . . ) * الآية ، وحاصل الجواب : أن هناك ملكا

موكلا بكم هو يتوفاكم ويأخذكم ، ولا يدعكم

تضلوا وأنتم في قبضته وحفاظته ، وما

تضل في الأرض إنما هو أبدانكم لا نفوسكم

التي هي المدلول عليها بلفظ " كم " فإنه

يتوفاكم .

ومن الآيات قوله تعالى : * ( ونفخ فيه

من روحه . . . ) * الآية ( 3 ) ذكره في خلق الإنسان

ثم قال تعالى : * ( يسألونك عن الروح قل الروح

من أمر ربي ) * ( 4 ) فأفاد أن الروح من سنخ أمره ،

ثم عرف الأمر في قوله تعالى : * ( إنما أمره

إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون * فسبحان

الذي بيده ملكوت كل شئ ) * ( 5 ) فأفاد أن الروح

من الملكوت ، وأنها كلمة " كن " ثم عرف الأمر

بتوصيفه بوصف آخر بقوله : * ( وما أمرنا إلا واحدة

كلمح بالبصر ) * ( 6 ) ، والتعبير بقوله : * ( كلمح بالبصر ) *

يعطي أن الأمر الذي هو كلمة " كن " موجود دفعي

الوجود غير تدريجية ، فهو يوجد من غير اشتراط

وجوده وتقييده بزمان أو مكان ، ومن هنا يتبين

أن الأمر - ومنه الروح - شئ غير جسماني

ولا مادي ، فإن الموجودات المادية الجسمانية

من أحكامها العامة أنها تدريجية الوجود ،

مقيدة بالزمان والمكان ، فالروح التي للإنسان

ليس بمادية جسمانية ، وإن كان لها تعلق بها .

وهناك آيات تكشف عن كيفية هذا

التعلق ، فقد قال تعالى : * ( منها خلقناكم ) * ( 7 ) ،

____________________

( 1 ) الزمر : 42 .

( 2 ) السجدة : 10 ، 11 .

( 3 ) السجدة : 9 .

( 4 ) الإسراء : 85 .

( 5 ) يس : 82 ، 83 .

( 6 ) القمر : 50 .

( 7 ) طه : 55 .

الصفحة 245 من 328