مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

مِيزَانُ الْحِكْمَةِ - الْجُزْءُ 10 - مُحَمَّدُ الرَّيْشَهْرِي

تصفّح
سحب للأسفل
إظهار التشكيل
الصفحة 185 من 328

بل كان اختياره لمن اختارها منهن على نهج

خاص في مدى حياته ، فهو ( صلى الله عليه وآله وسلم ) كان تزوج - أول

ما تزوج - بخديجة رضي الله عنها ، وعاش معها

مقتصرا عليها نيفا وعشرين سنة وهي ثلثا عمره

الشريف بعد الازدواج ، منها ثلاث عشرة سنة بعد

نبوته قبل الهجرة من مكة ، ثم هاجر إلى

المدينة وشرع في نشر الدعوة وإعلاء كلمة

الدين ، وتزوج بعدها من النساء منهن البكر

ومنهن الثيب ، ومنهن الشابة ومنهن العجوز

والمكتهلة ، وكان على ذلك ما يقرب من عشرة

سنين ، ثم حرم عليه النساء بعد ذلك إلا

من هي في حبالة نكاحه . ومن المعلوم أن

هذا الفعال على هذه الخصوصيات لا يقبل

التوجيه بمجرد حب النساء والولوع بهن

والوله بالقرب منهن ، فأول هذه السيرة

وآخرها يناقضان ذلك .

على أنا لا نشك - بحسب ما نشاهده من العادة

الجارية - أن المتولع بالنساء المغرم بحبهن

والخلاء بهن والصبوة إليهن مجذوب إلى الزينة ،

عشيق للجمال ، مفتون بالغنج والدلال ، حنين إلى

الشباب ونضارة السن وطراوة الخلقة ، وهذه

الخواص أيضا لا تنطبق على سيرته ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، فإنه

بنى بالثيب بعد البكر وبالعجوز بعد الفتاة الشابة ،

فقد بنى بأم سلمة وهي مسنة ، وبنى بزينب بنت

جحش وسنها يومئذ يربو على خمسين بعد

ما تزوج بمثل عائشة وأم حبيبة . . . وهكذا .

وقد خير ( صلى الله عليه وآله وسلم ) نساءه بين التمتيع والسراح

الجميل - وهو الطلاق - إن كن يردن الدنيا

وزينتها ، وبين الزهد في الدنيا وترك التزيين

والتجمل إن كن يردن الله ورسوله والدار الآخرة ،

على ما يشهد به قوله تعالى في القصة : * ( يا أيها

النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا

وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا

جميلا * وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار

الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا

عظيما ) * ( 1 ) وهذا المعنى أيضا - كما ترى - لا

ينطبق على حال رجل مغرم بجمال النساء صاب

إلى وصالهن .

فلا يبقى حينئذ للباحث المتعمق إذا أنصف

إلا أن يوجه كثرة ازدواجه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فيما بين أول

أمره وآخر أمره بعوامل اخر غير عامل الشره

والشبق والتلهي .

فقد تزوج ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ببعض هؤلاء الأزواج

اكتسابا للقوة وازديادا للعضد والعشيرة ، وببعض

هؤلاء استمالة للقلوب وتوقيا من بعض الشرور ،

وببعض هؤلاء ليقوم على أمرها بالإنفاق وإدارة

المعاش ، وليكون سنة جارية بين المؤمنين في

حفظ الأرامل والعجائز من المسكنة والضيعة .

وببعضها لتثبيت حكم مشروع وإجرائه

عملا لكسر السنن المنحطة والبدع الباطلة

الجارية بين الناس ، كما في تزوجه بزينب

بنت جحش وقد كانت زوجة لزيد بن حارثة ثم

طلقها زيد ، وقد كان زيد هذا يدعى ابن رسول

الله على نحو التبني ، وكانت زوجة المدعو ابنا

عندهم كزوجة الابن الصلبي لا يتزوج بها الأب ،

____________________

( 1 ) الأحزاب : 28 ، 29 .

الصفحة 185 من 328