مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

مِيزَانُ الْحِكْمَةِ - الْجُزْءُ 9 - مُحَمَّدُ الرَّيْشَهْرِي

تصفّح
سحب للأسفل
إظهار التشكيل
الصفحة 175 من 242

وأحسوا بالفتنة والفساد ، وهددهم اختلال النظم

ووقوع الهرج ، فبادروا إلى تقديم بعض اولي

الطول والقوة منهم وألقوا إليه زمام الملك ، فصار

ملكا يملك أزمة الأمور ، ثم يعود الأمر على ما

كان عليه من التعدي والتحميل .

ولم تزل الاجتماعات على هذه الحال برهة

بعد برهة حتى تضجرت من سوء سير هؤلاء

المتسمين بالملوك في مظالمهم باستبدادهم في

الرأي وإطلاقهم فيما يشاؤون ، فوضعت قوانين

تعين وظائف الحكومة الجارية بين الأمم

وأجبرت الملوك باتباعها وصار الملك ملكا

مشروطا بعد ما كان مطلقا ، واتحد الناس على

التحفظ على ذلك وكان الملك موروثا .

ثم أحست اجتماعات ببغي ملوكهم وسوء

سيرهم ، ولا سبيل إليهم بعد ركوب أريكة الملك

وتثبيتهم كون الملك موهبة غير متغيرة موروثة ،

فبدلوا الملك برئاسة الجمهور ، فانقلب الملك

المؤبد المشروط إلى ملك مؤجل مشروط ، وربما

وجد في الأقوام والأمم المختلفة أنواع من الملك

دعاهم إلى وضعه الفرار عن المظالم التي

شاهدوها ممن بيده زمام أمرهم ، وربما حدث

في مستقبل الأيام ما لم ينتقل أفهامنا إليه

إلى هذا الآن .

لكن الذي يتحصل من جميع هذه المساعي

التي بذلتها الاجتماعات في سبيل إصلاح هذا

الأمر - أعني إلقاء زمام الأمة إلى من يدبر أمرها ،

ويجمع شتات إراداتها المتضادة وقواها

المتنافية - أن لاغنى للمجتمع الإنساني عن هذا

المقام وهو مقام الملك وإن تغيرت أسماؤه ،

وتبدلت شرائطه بحسب اختلاف الأمم ومرور

الأيام ، فإن طروق الهرج والمرج واختلال أمر

الحياة الاجتماعية على جميع التقادير من لوازم

عدم اجتماع أزمة الإرادات والمقاصد في إرادة

واحدة لإنسان واحد أو مقام واحد .

وهذا هو الذي تقدم في أول الكلام : أن

الملك من الاعتبارات الضرورية في الاجتماع

الإنساني .

وهو مثل سائر الموضوعات الاعتبارية التي

لم يزل الاجتماع بصدد تكميلها وإصلاحها ورفع

نواقصها وآثارها المضادة لسعادة الإنسانية .

وللنبوة في هذا الإصلاح السهم الأوفى ، فإن

من المسلم في علم الاجتماع أن انتشار قول ما

من الأقوال بين العامة - وخاصة إذا كان مما يرتبط

بالغريزة ، ويستحسنه القريحة ، ويطمأن إليه

النفوس المتوقعة - أقوى سبب لتوحيد الميول

المتفرقة وجعل الجماعات المتشتتة يدا واحدا

تقبض وتبسط بإرادة واحدة لا يقوم لها شئ .

ومن الضروري أن النبوة منذ أقدم عهود

ظهورها تدعو الناس إلى العدل ، وتمنعهم عن

الظلم ، وتندبهم إلى عبادة الله والتسليم له ،

وتنهاهم عن اتباع الفراعنة الطاغين ، والنماردة

المستكبرين المتغلبين ، ولم تزل هذه الدعوة بين

الأمم منذ قرون متراكمة جيلا بعد جيل وأمة بعد

أمة وإن اختلفت بحسب السعة والضيق باختلاف

الأمم والأزمنة ، ومن المحال أن يلبث مثل هذا

العامل القوي بين الاجتماعات الإنسانية قرونا

الصفحة 175 من 242