مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

مِيزَانُ الْحِكْمَةِ - الْجُزْءُ 9 - مُحَمَّدُ الرَّيْشَهْرِي

تصفّح
سحب للأسفل
إظهار التشكيل
الصفحة 176 من 242

متمادية وهو منعزل عن الأثر خال عن الفعل .

وقد حكى القرآن الكريم في ذلك شيئا

كثيرا من الوحي المنزل على الأنبياء ( عليهم السلام )

كما حكى عن نوح فيما يشكوه لربه : * ( رب إنهم

عصوني واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا

خسارا * ومكروا مكرا كبارا * وقالوا لا تذرن

آلهتكم ) * ( 1 ) ، وكذا ما وقع بينه وبين عظماء قومه

من الجدال على ما يحكيه القرآن ، قال تعالى :

* ( قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون * قال وما

علمي بما كانوا يعملون * إن حسابهم إلا على

ربي لو تشعرون ) * ( 2 ) ، وقول هود ( عليه السلام ) لقومه :

* ( أتبنون بكل ريع آية تعبثون * وتتخذون مصانع

لعلكم تخلدون * وإذا بطشتم بطشتم

جبارين ) * ( 3 ) ، وقول صالح ( عليه السلام ) لقومه : * ( فاتقوا الله

وأطيعون * ولا تطيعوا أمر المسرفين * الذين

يفسدون في الأرض ولا يصلحون ) * ( 4 ) . . .

وأما أن الملك - بالضم - من ضروريات

المجتمع الإنساني فيكفي في بيانه أتم بيان

قوله تعالى بعد سرد قصة طالوت : * ( ولولا دفع الله

الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو

فضل على العالمين ) * ( 5 ) ، وقد مر بيان كيفية دلالة

الآية بوجه عام .

وفي القرآن آيات كثيرة تتعرض للملك

والولاية وافتراض الطاعة ونحو ذلك ، وأخرى

تعده نعمة وموهبة كقوله تعالى : * ( وآتيناهم ملكا

عظيما ) * ( 6 ) ، وقوله تعالى : * ( وجعلكم ملوكا

وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين ) * ( 7 ) ، وقوله

تعالى : * ( والله يؤتي ملكه من يشاء ) * ( 8 ) ، إلى غير

ذلك من الآيات .

غير أن القرآن إنما يعده كرامة إذا اجتمع

مع التقوى ، لحصره الكرامة على التقوى من بين

جميع ما ربما يتخيل فيه شئ من الكرامة من

مزايا الحياة ، قال تعالى : * ( يا أيها الناس

إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا

وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) * ( 9 ) ،

والتقوى حسابه على الله ليس لأحد أن يستعلي به

على أحد ، فلا فخر لأحد على أحد بشئ ، لأنه

إن كان أمرا دنيويا فلا مزية لأمر دنيوي

ولا قدر إلا للدين ، وإن كان أمرا أخرويا فأمره

إلى الله سبحانه ، وعلى الجملة : لا يبقى للإنسان

المتلبس بهذه النعمة - أعني الملك - في نظر رجل

مسلم إلا تحمل الجهد ومشقة التقلد والأعباء ،

نعم له عند ربه عظيم الأجر ومزيد الثواب إن لازم

صراط العدل والتقوى .

وهذا هو روح السيرة الصالحة التي لازمها

أولياء الدين ، وسنشبع إن شاء الله العزيز هذا

المعنى في بحث مستقل في سيرة رسول الله ( صلى الله عليه وآله )

والطاهرين من آله الثابتة بالآثار الصحيحة ،

____________________

( 1 ) نوح : 21 - 23 .

( 2 ) الشعراء : ( 111 - 113 ) ، ( 128 - 130 ) .

( 3 ) الشعراء : ( 111 - 113 ) ، ( 128 - 130 ) .

( 4 ) الشعراء : 150 - 152 .

( 5 ) البقرة : 251 .

( 6 ) النساء : 54 .

( 7 ) المائدة : 20 .

( 8 ) البقرة : 247 .

( 9 ) الحجرات : 13 .

الصفحة 176 من 242