وغيرهما في موارد يناسب ذلك إن شاء
الله العزيز ( 1 ) .
وقال بعد تفسير قوله تعالى : * ( قل اللهم مالك
الملك . . . ) * ( 2 ) في معنى الملك واعتباره ، ما نصه :
بحث علمي :
قد تقدم في بعض ما مر من الأبحاث السابقة :
أن اعتبار أصل الملك - بالكسر - من الاعتبارات
الضرورية التي لاغنى للبشر عنها في حال سواء
كان منفردا أو مجتمعا ، وأن أصله ينتهي إلى
اعتبار الاختصاص ، فهذا حال الملك - بالكسر - .
وأما الملك - بالضم - وهو السلطنة على
الأفراد فهو أيضا من الاعتبارات الضرورية التي
لاغنى للإنسان عنها ، لكن الذي يحتاج إليه
ابتداءا هو الاجتماع من حيث تألفه من أجزاء
كثيرة مختلفة المقاصد متبائنة الإرادات دون
الفرد من حيث إنه فرد ، فإن الأفراد المجتمعين
لتبائن إراداتهم واختلاف مقاصدهم لا يلبثون
دون أن يقع الاختلاف بينهم فيتغلب كل على
الآخرين في أخذ ما بأيديهم ، والتعدي على
حومة حدودهم وهضم حقوقهم فيقع الهرج
والمرج ، ويصير الاجتماع الذي اتخذوه وسيلة
إلى سعادة الحياة ذريعة إلى الشقاء والهلاك ،
ويعود الدواء داءا ، ولا سبيل إلى رفع هذه الغائلة
الطارية إلا بجعل قوة قاهرة على سائر القوى
مسيطرة على جميع الأفراد المجتمعين حتى تعيد
القوى الطاغية المستعلية إلى حاق الوسط ، وترفع
الدانية المستهلكة إليه أيضا ، فتتحد جميع القوى
من حيث المستوى ، ثم تضع كل واحدة منها في
محلها الخاص وتعطي كل ذي حق حقه .
ولما لم تكن الإنسانية في حين من الأحيان
خالية الذهن عن فكر الاستخدام - كما مر بيانه
سالفا - لم يكن الاجتماعات في الأعصار السالفة
خالية عن رجال متغلبين على الملك مستعلين
على سائر الأفراد المجتمعين ببسط الرقية
والتملك على النفوس والأموال ، وكانت بعض
فوائد الملك الذي ذكرناه - وهو وجود من يمنع
عن طغيان بعض الأفراد على بعض - يترتب على
وجود هذا الصنف من المتغلبين المستعلين
المتظاهرين باسم الملك في الجملة وإن كانوا هم
أنفسهم وأعضادهم وجلاوزتهم قوى طاغية من
غير حق مرضي ، وذلك لكونهم مضطرين إلى
حفظ الأفراد في حال الذلة والاضطهاد حتى
لا يتقوى من يثب على حقوق بعض الأفراد فيثب
يوما عليهم أنفسهم ، كما أنهم أنفسهم وثبوا على
ما في أيدي غيرهم .
وبالجملة : بقاء جل الأفراد على حال التسالم
خوفا من الملوك المسيطرين عليهم كان يصرف
الناس عن الفكر في اعتبار الملك الاجتماعي ،
وإنما يشتغلون بحمد سيرة هؤلاء المتغلبين إذا لم
يبلغ تعديهم مبلغ جهدهم ، ويتظلمون ويشتكون
إذا بلغ بهم الجهد وحمل عليهم من التعدي ما
يفوق طاقتهم .
نعم ربما فقدوا بعض هؤلاء المتسمين
بالملوك والرؤساء بهلاك أو قتل أو نحو ذلك ،
____________________
( 1 ) الميزان : 2 / 53 .
( 2 ) آل عمران : 26 .




