مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

مِيزَانُ الْحِكْمَةِ - الْجُزْءُ 8 - مُحَمَّدُ الرَّيْشَهْرِي

تصفّح
سحب للأسفل
إظهار التشكيل
الصفحة 98 من 254

والأعصار . فجميع هذه المعاني والقواعد

المستقرة عليها من صنع الطبيعة الإنسانية بإلهام

من الله سبحانه ، تلطفت بها طبيعة الإنسان لتمثل

بها ما تعتقدها وتريدها من المعاني في الخارج ،

ثم تتحرك إليها بالعمل والفعل والترك

والاستكمال .

والتوجه العبادي إلى الله سبحانه ، وهو المنزه

عن شؤون المادة ، والمقدس عن تعلق الحس

المادي إذا أريد أن يتجاوز حد القلب والضمير ،

وتنزل على موطن الأفعال - وهي لا تدور إلا بين

الماديات - لم يكن في ذلك بد ومخلص من أن

يكون على سبيل التمثيل بأن يلاحظ التوجهات

القلبية على اختلاف خصوصياتها ، ثم تمثل في

الفعل بما يناسبها من هيئات الأفعال وأشكالها ،

كالسجدة يراد بها التذلل ، والركوع يراد به

التعظيم ، والطواف يراد به تفدية النفس ، والقيام

يراد به التكبير ، والوضوء والغسل يراد بهما

الطهارة للحضور ، ونحو ذلك . ولا شك أن التوجه

إلى المعبود ، واستقباله من العبد في عبوديته روح

عبادته ، التي لولاها لم يكن لها حياة ولا كينونة ،

وإلى تمثيله تحتاج العبادة في كمالها وثباتها

واستقرار تحققها .

وقد كانت الوثنيون وعبدة الكواكب وسائر

الأجسام من الإنسان وغيره يستقبلون معبوداتهم

وآلهتهم ، ويتوجهون إليهم بالأبدان في أمكنة

متقاربة .

لكن دين الأنبياء ونخص بالذكر من بينها دين

الإسلام الذي يصدقها جميعا وضع الكعبة قبلة ،

وأمر باستقبالها في الصلاة ، التي لا يعذر فيها

مسلم ، أينما كان من أقطار الأرض وآفاقها ، ونهى

عن استقبالها واستدبارها في حالات ، وندب إلى

ذلك في أخرى ، فاحتفظ على قلب الإنسان

بالتوجه إلى بيت الله ، وأن لا ينسى ربه في خلوته

وجلوته ، وقيامه وقعوده ، ومنامه ويقظته ، ونسكه

وعبادته حتى في أخس حالاته وأرداها ، فهذا

بالنظر إلى الفرد .

وأما بالنظر إلى الاجتماع فالأمر أعجب

والأثر أجلى وأوقع ، فقد جمع الناس على

اختلاف أزمنتهم وأمكنتهم على التوجه إلى نقطة

واحدة ، يمثل بذلك وحدتهم الفكرية وارتباط

جامعتهم ، والتئام قلوبهم ، وهذا ألطف روح يمكن

أن تنفذ في جميع شؤون الأفراد في حيويتها

المادية والمعنوية ، تعطي من الاجتماع أرقاه ،

ومن الوحدة أوفاها وأقواها ، خص الله تعالى بها

عباده المسلمين ، وحفظ به وحدة دينهم ، وشوكة

جمعهم ، حتى بعد أن تحزبوا أحزابا ، وافترقوا

مذاهب وطرائق قددا ، لا يجتمع منهم اثنان على

رأي ، نشكر الله تعالى على آلائه ( 1 ) .

بحث تاريخي :

من المتواتر المقطوع به أن الذي بنى الكعبة

إبراهيم الخليل ( عليه السلام ) ، وكان القاطنون حولها يومئذ

ابنه إسماعيل وجرهم ( 2 ) من قبائل اليمن ، وهي

____________________

( 1 ) تفسير الميزان : 1 / 337 .

( 2 ) جرهم : حي من اليمن نزلوا مكة وتزوج فيهم إسماعيل بن

إبراهيم ( عليهما السلام ) ، وهم أصهاره ، ثم ألحدوا في الحرم فأبادهم الله

تعالى . ( لسان العرب : 12 / 97 ) .

الصفحة 98 من 254