كانوا يظهرون لأنبيائهم أنهم اطيروا بهم فلا
يؤمنون ، وأجاب عن ذلك أنبياؤهم بما حاصله :
أن التطير لا يقلب الحق باطلا ولا الباطل حقا ،
وأن الأمر إلى الله سبحانه لا إلى الطائر الذي
لا يملك لنفسه شيئا ، فضلا عن أن يملك لغيره
الخير والشر والسعادة والشقاء ، قال تعالى : * ( قالوا
إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم
منا عذاب أليم * قالوا طائركم معكم ) * ( 1 ) أي ما
يجر إليكم الشر هو معكم لا معنا ، وقال : * ( قالوا
اطيرنا بك وبمن معك قال طائركم عند الله ) * ( 2 ) أي
الذي يأتيكم به الخير أو الشر عند الله ، فهو الذي
يقدر فيكم ما يقدر لا أنا ومن معي ، فليس لنا من
الأمر شئ .
وقد وردت أخبار كثيرة في النهي عن
الطيرة وفي دفع شؤمها بعدم الاعتناء أو بالتوكل
والدعاء ، وهي تؤيد ما قدمناه من أن تأثيرها
من التأثيرات النفسانية ، ففي الكافي بإسناده
عن عمرو بن حريث قال : قال أبو عبد الله ( عليه السلام ) :
" الطيرة على ما تجعلها إن هونتها تهونت ، وإن
شددتها تشددت ، وإن لم تجعلها شيئا لم تكن
شيئا " . ودلالة الحديث على كون تأثيرها من
التأثيرات النفسانية ظاهرة ، ومثله الحديث
المروي من طرق أهل السنة : " ثلاث لا يسلم منها
أحد : الطيرة والحسد والظن . قيل : فما نصنع ؟
قال : إذا تطيرت فامض ، وإذا حسدت فلا تبغ ،
وإذا ظننت فلا تحقق " .
وفي معناه ما في الكافي عن القمي عن
أبيه عن النوفلي عن السكوني عن أبي عبد الله ( عليه السلام )
قال : " قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : كفارة الطيرة
التوكل . . . " الخبر . وذلك أن في التوكل إرجاع أمر
التأثير إلى الله تعالى ، فلا يبقى للشئ أثر حتى
يتضرر به .
وفي معناه ما ورد من طرق أهل السنة على ما
في نهاية ابن الأثير : " الطيرة شرك وما منا إلا
ولكن الله يذهبه بالتوكل " .
وفي المعنى السابق ما روي عن موسى
ابن جعفر ( عليه السلام ) أنه قال : " الشؤم للمسافر
في طريقه سبعة أشياء : الغراب الناعق
عن يمينه ، والكلب الناشر لذنبه ، والذئب
العاوي الذي يعوي في وجه الرجل وهو
مقع على ذنبه ثم يرتفع ثم ينخفض ثلاثا ،
والظبي السانح عن يمين إلى شمال ، والبومة
الصارخة ، والمرأة الشمطاء تلقى فرجها ،
والأتان العضبان - يعني الجدعاء - فمن
أوجس في نفسه منهن شيئا فليقل : اعتصمت
بك يا رب من شر ما أجد في نفسي ، فيعصم
من ذلك " ( 3 ) .
ويلحق بهذا البحث الكلامي في نحوسة
سائر الأمور المعدودة عند العامة مشؤومة
نحسة كالعطاس مرة واحدة عند العزم على
أمر وغير ذلك ، وقد وردت في النهي عن
التطير بها والتوكل عند ذلك روايات في
أبواب متفرقة ، وفي النبوي المروي من
____________________
( 1 ) يس : 18 ، 19 .
( 2 ) النمل : 47 .
( 3 ) الخبر على ما في البحار مذكور في الكافي والخصال
والمحاسن والفقيه ، وما في المتن مطابق لبعض نسخ الفقيه .




