مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

مِيزَانُ الْحِكْمَةِ - الْجُزْءُ 8 - مُحَمَّدُ الرَّيْشَهْرِي

تصفّح
سحب للأسفل
إظهار التشكيل
الصفحة 165 من 254

في الجملة أنه لم يخلق الخلق عبثا ، وإنما خلقهم

للحكمة والمصلحة ، ودل على ذلك بالعقل

والسمع ، فقال سبحانه : * ( وما خلقنا السماء

والأرض وما بينهما لاعبين ) * ( 1 ) وقال :

* ( أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا ) * ( 2 ) وقال : * ( إنا كل

شئ خلقناه بقدر ) * ( 3 ) يعني بحق ووضعناه في

موضعه ، وقال : * ( وما خلقت الجن والإنس إلا

ليعبدون ) * ( 4 ) وقال فيما تعبد : * ( لن ينال الله لحومها

ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم ) * ( 5 ) .

وقد يصح أن يكون تعالى خلق حيوانا بعينه

لعلمه تعالى بأنه يؤمن عند خلقه كفار ، أو يتوب

عند ذلك فساق ، أو ينتفع به مؤمنون ، أو يتعظ به

ظالمون ، أو ينتفع المخلوق نفسه بذلك ، أو يكون

عبرة لواحد في الأرض أو في السماء ، وذلك

يغيب عنا ، وإن قطعنا في الجملة أن جميع ما صنع

الله تعالى إنما صنعه لأغراض حكمية ، ولم يصنعه

عبثا ، وكذلك يجوز أن يكون تعبدنا بالصلاة لأنها

تقربنا من طاعته وتبعدنا عن معصيته ، وتكون

العبادة بها لطفا لكافة المتعبدين بها أو لبعضهم .

فلما خفيت هذه الوجوه وكانت مستورة عنا

ولم يقع دليل على التفصيل فيها - وإن كان

العلم بأنها حكمة في الجملة - كان النهي

عن الكلام في معنى القضاء والقدر إنما هو

عن طلب علل لها مفصلة فلم يكن نهيا عن الكلام

في معنى القضاء والقدر .

هذا إن سلمت الأخبار التي رواها أبو جعفر

رحمه الله ، فأما إن بطلت أو اختل سندها

فقد سقط عنا عهدة الكلام فيها ، والحديث

الذي رواه عن زرارة حديث صحيح من بين ما

روى ، والمعنى فيه ظاهر ليس به على العقلاء

خفاء ، وهو مؤيد للقول بالعدل ، ألا ترى إلى

ما رواه عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) من قوله : إذا حشر الله

تعالى الخلائق سألهم عما عهد إليهم ولم يسألهم

عما قضى عليهم .

وقد نطق القرآن بأن الخلق مسؤولون عن

أعمالهم " انتهى كلامه ( 6 ) رحمه الله .

وأقول ( 7 ) : من تفكر في الشبهة الواردة

على اختيار العباد وفروع مسألة الجبر والاختيار

والقضاء والقدر علم سر نهي المعصوم عن التفكر

فيها ، فإنه قل من أمعن النظر فيها ولم يزل

قدمه إلا من عصمه الله بفضله ( 8 ) .

كلام في القضاء في فصول :

1 - في تحصيل معناه وتحديده : إنا نجد

الحوادث الخارجية والأمور الكونية - بالقياس

إلى عللها والأسباب المقتضية لها - على إحدى

حالتين ، فإنها قبل أن تتم عللها الموجبة

لها والشرائط وارتفاع الموانع التي يتوقف عليها

حدوثها وتحققها لا يتعين لها التحقق والثبوت

ولا عدمه ، بل يتردد أمرها بين أن تتحقق وأن

____________________

( 1 ) الأنبياء : 16 .

( 2 ) المؤمنون : 115 .

( 3 ) القمر : 49 .

( 4 ) الذاريات : 56 .

( 5 ) الحج : 37 .

( 6 ) أي كلام الشيخ المفيد ( رحمه الله ) .

( 7 ) القائل المجلسي ( رحمه الله ) .

( 8 ) البحار : 5 / 97 - 101 / 22 - 24 .

الصفحة 165 من 254