مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

مِيزَانُ الْحِكْمَةِ - الْجُزْءُ 8 - مُحَمَّدُ الرَّيْشَهْرِي

تصفّح
سحب للأسفل
إظهار التشكيل
الصفحة 164 من 254

خلق العصيان في خلقه ، فكان يجب أن يقولوا :

قضى في خلقه بالعصيان ، ولا يقولوا قضى عليهم ،

لأن الخلق فيهم لا عليهم ، مع أن الله تعالى قد

أكذب من زعم أنه خلق المعاصي بقوله سبحانه :

* ( الذي أحسن كل شئ خلقه ) * ( 1 ) كما مر .

ولا وجه لقولهم : قضى المعاصي على معنى أمر

بها ، لأنه تعالى قد أكذب مدعي ذلك بقوله تعالى :

* ( إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما

لا تعلمون ) * ( 2 ) . ولا معنى لقول من زعم أنه قضى

بالمعاصي على معنى أنه أعلم الخلق بها إذ كان

الخلق لا يعلمون أنهم في المستقبل يطيعون أو

يعصون ، ولا يحيطون علما بما يكون منهم في

المستقبل على التفصيل . ولا وجه لقولهم : إنه

قضى بالذنوب على معنى أنه حكم بها بين العباد ،

لأن أحكام الله تعالى حق ، والمعاصي منهم ، ولا

لذلك فائدة ، وهو لغو باتفاق ، فبطل قول من زعم

أن الله تعالى يقضي بالمعاصي والقبائح .

والوجه عندنا في القضاء والقدر بعد الذي

بيناه أن لله تعالى في خلقه قضاء وقدرا ، وفي

أفعالهم أيضا قضاء وقدرا معلوما ، ويكون المراد

بذلك أنه قد قضى في أفعالهم الحسنة بالأمر بها ،

وفي أفعالهم القبيحة بالنهي عنها ، وفي أنفسهم

بالخلق لها ، وفيما فعله فيهم بالإيجاد له ، والقدر

منه سبحانه فيما فعله إيقاعه في حقه وموضعه ،

وفي أفعال عباده ما قضاه فيها من الأمر والنهي

والثواب والعقاب ، لأن ذلك كله واقع موقعه

وموضوع في مكانه لم يقع عبثا ولم يصنع باطلا .

فإذا فسر القضاء في أفعال الله تعالى والقدر

بما شرحناه زالت الشبهة منه وثبت الحجة به

ووضح القول فيه لذوي العقول ولم يلحقه فساد

ولا اختلال .

فأما الأخبار التي رواها - يعني الصدوق ( رحمه الله ) -

في النهي عن الكلام في القضاء والقدر فهي

تحتمل وجهين :

أحدهما : أن يكون النهي خاصا بقوم كان

كلامهم في ذلك يفسدهم ويضلهم عن الدين

ولا يصلحهم إلا الإمساك عنه وترك الخوض فيه ،

ولم يكن النهي عنه عاما لكافة المكلفين وقد

يصلح بعض الناس بشئ يفسد به آخرون ،

ويفسد بعضهم بشئ يصلح به آخرون ، فدبر

الأئمة ( عليهم السلام ) أشياعهم في الدين بحسب ما علموه

من مصالحهم فيه .

والوجه الآخر : أن يكون النهي عن الكلام

فيهما النهي عن الكلام فيما خلق الله تعالى

وعن علله وأسبابه وعما أمر به وتعبد ، وعن

القول في علل ذلك إذ كان طلب علل الخلق

والأمر محظورا ، لأن الله تعالى سترها من أكثر

خلقه ، ألا ترى أنه لا يجوز لأحد أن يطلب لخلقه

جميع ما خلق عللا مفصلات ، فيقول : لم خلق

كذا وكذا ؟ حتى يعد المخلوقات كلها ويحصيها ،

ولا يجوز أن يقول : لم أمر بكذا وتعبد بكذا ونهى

عن كذا ؟ إذ تعبده بذلك وأمره لما هو أعلم به من

مصالح الخلق ، ولم يطلع أحدا من خلقه على

تفصيل ما خلق وأمر به وتعبد ، وإن كان قد أعلم

____________________

( 1 ) ألم السجدة : 7 .

( 2 ) الأعراف : 28 .

الصفحة 164 من 254