مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

مِيزَانُ الْحِكْمَةِ - الْجُزْءُ 8 - مُحَمَّدُ الرَّيْشَهْرِي

تصفّح
سحب للأسفل
إظهار التشكيل
الصفحة 163 من 254

" اعتقادنا في القضاء والقدر قول الصادق ( عليه السلام )

لزرارة حين سأله فقال : ما تقول في القضاء

والقدر ؟ قال : أقول : إن الله عز وجل إذا جمع العباد

يوم القيامة سألهم عما عهد إليهم ، ولم يسألهم عما

قضى عليهم ، والكلام في القدر منهي عنه كما قال

أمير المؤمنين ( عليه السلام ) لرجل قد سأله عن القدر : فقال :

بحر عميق فلا تلجه ، ثم سأله ثانية فقال : طريق

مظلم فلا تسلكه ، ثم سأله ثالثة فقال : سر الله فلا

تتكلفه . وقال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في القدر : ألا إن

القدر سر من سر الله ( 1 ) ، وحرز من حرز الله ، مرفوع

في حجاب الله ، مطوي عن خلق الله ، مختوم

بخاتم الله ، سابق في علم الله ، وضع الله عن العباد

علمه ، ورفعه فوق شهاداتهم ، لأنهم لا ينالونه

بحقيقة الربانية ، ولا بقدرة الصمدانية ، ولا بعظمة

النورانية ، ولا بعزة الوحدانية ، لأنه بحر زاخر

مواج ، خالص لله عز وجل ، عمقه ما بين السماء

والأرض ، عرضه ما بين المشرق والمغرب ، أسود

كالليل الدامس ، كثير الحيات والحيتان ، تعلو مرة

وتسفل أخرى ، في قعره شمس تضئ ، لا ينبغي

أن يطلع عليها إلا الواحد الفرد ، فمن تطلع عليها

فقد ضاد الله في حكمه ، ونازعه في سلطانه ،

وكشف عن سره وستره ، وباء بغضب من الله ،

ومأواه جهنم ، وبئس المصير .

وروي أن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) عدل من عند

حائط مائل إلى مكان آخر ، فقيل له : يا أمير

المؤمنين تفر من قضاء الله ؟ فقال ( عليه السلام ) أفر من قضاء

الله إلى قدر الله . وسئل الصادق ( عليه السلام ) عن الرقى هل

تدفع من القدر شيئا ؟ فقال : هي من القدر " .

وقال الشيخ المفيد ( رحمه الله ) في شرح هذا الكلام :

" عمل أبو جعفر في هذا الباب على أحاديث شواذ

لها وجوه تعرفها العلماء متى صحت وثبت

إسنادها ، ولم يقل فيه قولا محصلا ، وقد كان

ينبغي له لما لم يعرف للقضاء معنى أن يهمل الكلام

فيه . والقضاء معروف في اللغة ، وعليه شواهد من

القرآن ، فالقضاء على أربعة أضراب : أحدها

الخلق ، والثاني الأمر ، والثالث الإعلام ، والرابع

القضاء بالحكم . فأما شاهد الأول فقوله تعالى :

* ( فقضاهن سبع سماوات ) * ( 2 ) ، وأما الثاني فقوله

تعالى : * ( وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه ) * ( 3 ) ، وأما

الثالث فقوله تعالى : * ( وقضينا إلى بني

إسرائيل ) * ( 4 ) ، وأما الرابع فقوله : * ( والله يقضي

بالحق ) * ( 5 ) يعني يفصل بالحكم بالحق بين الخلق ،

وقوله : * ( وقضى بينهم بالحق ) * ( 6 ) . وقد قيل : إن

للقضاء معنى خامسا وهو الفراغ من الأمر ،

واستشهد على ذلك بقول يوسف ( عليه السلام ) : " قضي

الأمر الذي فيه تستفتيان " ( 7 ) يعني فرغ منه ، وهذا

يرجع إلى معنى الخلق .

وإذا ثبت ما ذكرناه في أوجه القضاء بطل قول

المجبرة : إن الله تعالى قضى بالمعصية على خلقه

لأنه لا يخلو إما أن يكونوا يريدون به أن الله

____________________

( 1 ) في الاعتقادات للشيخ الصدوق : " سر من سر الله ، وستر من

ستر الله " . كما في هامش البحار .

( 2 ) فصلت : 12 .

( 3 ) الاسراء : 23 ، 4 .

( 4 ) الاسراء : 23 ، 4 .

( 5 ) غافر : 20 .

( 6 ) الزمر : 69 .

( 7 ) يوسف : 41 .

الصفحة 163 من 254