مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

مِيزَانُ الْحِكْمَةِ - الْجُزْءُ 8 - مُحَمَّدُ الرَّيْشَهْرِي

تصفّح
سحب للأسفل
إظهار التشكيل
الصفحة 166 من 254

لا تتحقق من رأس .

فإذا تمت عللها الموجبة لها وكملت ما تتوقف

عليه من الشرائط وارتفاع الموانع ولم يبق لها

إلا أن تتحقق خرجت من التردد والإبهام ، وتعين

لها أحد الطرفين ، وهو التحقق أو عدم التحقق ،

إن فرض انعدام شئ مما يتوقف عليه وجودها ،

ولا يفارق تعين التحقق نفس التحقق .

والاعتباران جاريان في أفعالنا الخارجية ،

فما لم نشرف على إيقاع فعل من الأفعال كان

مترددا بين أن يقع أو لا يقع ، فإذا اجتمعت

الأسباب والأوضاع المقتضية وأتممناها بالإرادة

والإجماع بحيث لم يبق له إلا الوقوع والصدور

عينا له أحد الجانبين ، فتعين له الوقوع .

وكذا يجري نظير الاعتبارين في أعمالنا

الوضعية الاعتبارية ، كما إذا تنازع اثنان في عين

يدعيه كل منهما لنفسه كان أمر مملوكيته مرددا

بين أن يكون لهذا أو لذاك ، فإذا رجعا إلى حكم

يحكم بينهما فحكم لأحدهما دون الآخر كان فيه

فصل الأمر عن الإبهام والتردد وتعيين

أحد الجانبين بقطع رابطته مع الآخر .

ثم توسع فيه ثانيا ، فجعل الفصل والتعيين

بحسب القول كالفصل والتعيين بحسب الفعل ،

فقول الحكم : إن المال لأحد المتنازعين فصل

للخصومة وتعيين لأحد الجانبين بعد التردد

بينهما ، وقول المخبر : إن كذا كذا فصل وتعيين ،

وهذا المعنى هو الذي نسميه القضاء .

ولما كانت الحوادث في وجودها وتحققها

مستندة إليه سبحانه وهي فعله جرى فيها

الاعتباران بعينهما ، فهي ما لم يرد الله تحققها ولم

يتم لها العلل والشرائط الموجبة لوجودها باقية

على حال التردد بين الوقوع واللاوقوع ، فإذا شاء

الله وقوعها وأراد تحققها فتم لها عللها وعامة

شرائطها ولم يبق لها ، إلا أن توجد كان ذلك تعيينا

منه تعالى وفصلا لها من الجانب الآخر وقطعا

للإبهام ، ويسمى قضاء من الله .

ونظير الاعتبارين جار في مرحلة التشريع

وحكمه القاطع بأمر وفصله القول فيه قضاء منه .

وعلى ذلك جرى كلامه تعالى فيما أشار فيه إلى

هذه الحقيقة ، قال تعالى : * ( وإذا قضى أمرا فإنما

يقول له كن فيكون ) * ( 1 ) ، وقال : * ( فقضاهن سبع

سماوات في يومين ) * ( 2 ) ، وقال : * ( قضي الأمر

الذي فيه تستفتيان ) * ( 3 ) ، وقال : * ( وقضينا إلى بني

إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض

مرتين ) * ( 4 ) إلى غير ذلك من الآيات المتعرضة

للقضاء التكويني .

ومن الآيات المتعرضة للقضاء التشريعي

قوله : * ( وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه

وبالوالدين إحسانا ) * ( 5 ) وقوله : * ( إن ربك

يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه

يختلفون ) * ( 6 ) ، وقوله : * ( وقضي بينهم بالحق

وقيل الحمد لله رب العالمين ) * ( 7 ) ، وما في الآية

____________________

( 1 ) البقرة : 117 .

( 2 ) فصلت : 12 .

( 3 ) يوسف : 41 .

( 4 ) الإسراء : 4 ، 23 .

( 5 ) الإسراء : 4 ، 23 .

( 6 ) يونس : 93 .

( 7 ) الزمر : 75 .

الصفحة 166 من 254