فهذا الاستدلال من القرآن، وأنا أورد بعده الاستدلال من الأخبار، والحمد لله.
باب الاستدلال من الأخبار
فمن ذلك ما أجمعت الأمة عليه ولم تختلف فيه، من خبر المؤاخاة، وهو أن رسول الله صلى الله عليه وآله آخى بين الصحابة واختار عليا عليه السلام أخا لنفسه دون جميع أمته.
وقد علم أن هذه المؤاخاة لم تكن لمحبة الدنيا وميل الطباع، ولا لسبب من أسباب
الدنيا يخرج عن الصواب، وإنما هي متعلقة بالدين، وأورده عن أمر الله في أن يؤاخي بين كل مشتبهين. فلما أخى بين الحاضرين، اختار عليا عليه السلام لنفسه أخا دون الناس أجمعين، فعلم أنه أشبه الخلق به في مقتضى الشرع والدين وأشبه الخلق برسول الله صلى الله عليه وآله هو أفضل من كل من فضل عليه رسول الله صلى الله عليه وآله .
وقد اتصلت الأخبار بأنه أخوه في الدنيا والآخرة:
منها: ما حدثنا به أبو عبد الله الحسين بن عبد الله بن أبي كامل الطرابلسي بالرملة سنة عشر وأربعمائة، قال: حدثنا محمد بن عوف الطائي، قال حدثنا علي بن قادم قال حدثنا علي بن صالح عن حكيم بن جبير، عن جميع بن عمير، عن عبد الله بن عمر، قال: أخى رسول الله صلى الله عليه وآله بين أصحابه، فجاء علي تدمع عيناه، فقال: «يا رسول الله صلى الله عليه وآله آخيت بين أصحابك ولم تؤاخ بيني وبين أحد؟
فقال النبي صلى الله عليه وآله: «أنت أخي في الدنيا والآخرة».
وحدثني القاضي أبو الحسن أسد بن إبراهيم بن كليب السلمي الحراني بالرملة سنة عشر وأربعمائة، قال: حدثني محمد بن أحمد بن صفوة المصيصي، قال: حدثنا الحسن بن علي العلوي، قال حدثنا الحسن بن حمزة النوفلي، قال: حدثنا سليمان ابن جعفر الهاشمي، قال: حدثنا جعفر بن محمد بن علي، عن أبيه، عن جده علي بن أبي طالب عليهم السلام، قال: «آخى رسول الله صلى الله عليه وآله بين أصحابه، فقلت: يا رسول الله، آخيت بين أصحابك وتركتني لا أخ لي؟ فقال: إنما ادخرتك لنفسي، أنت أخي في الدنيا والآخرة».
فهو أقرب الناس شبها به في الآخرة، كما أنه لما كان أخاه في الدنيا كان أقرب الناس شبها به في الدنيا، وهذا يوضح أنه أعلى البشر بعد رسول الله صلى الله عليه وآله قدرا وأعظمهم عند الله في الآخرة ثوابا.
فصل
مما أجمع عليه خبر الطائر، الذي لم يدفعه من أهل العلم دافع، الشاهد بأن
أمير المؤمنين عليه السلام أحب الخلق إلى الله عز وجل، وأحب الخلق إليه تعالى هو أعظمهم ثوابا عنده؛ لأن محبة الله تعالى ليست ميل طباع، وإنما معناها الثواب، والخبر مشهور، وما قال أنس لسبب ما جرى منه فيه، معروف.
أنا أذكره من طريق ما حدثني به أبو الحسن علي بن الحسن بن مندة بمدينة طرابلس سنة ست وثلاثين وأربعمائة، قال: حدثنا الحسين بن يعقوب البزاز سنة سبعين وثلاثمائة، قال: حدثنا علي بن إبراهيم بن هاشم، قال: حدثنا أبي إبراهيم ابن هاشم قال: لما عمل المأمون أبا هدبة - مولى أنس - إلى خراسان، بلغني ذلك، فخرجت في




