والثاني: أنه قد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وآله أحضره للمباهلة. وقد علم أنه لم يكن من جهة الأبناء ولا من جهة النساء، فمتى لم يكن هو المراد بقوله: وأنفسنا كان
النبي صلى الله عليه وآله قد أحضر من لم يؤمر بإحضاره ولم تتضمن ذكره وفي فساد هذا بيان أنه المعني بقوله: وأنفسنا. فثبت شاهد ما تتضمنه الآية على أن عليا عليه السلام نفس رسول الله صلى الله عليه وآله على طريق التمثيل، المقتضي علو المنزلة في التفضيل.
إن النبي صلى الله عليه وآله قال فيه في عدة مقامات ونعوت إني باعث فيكم رجلا كنفسي».
فمما جاء في ذلك ما أخبرني به أبو حامد محمد بن علي بن أبي طالب البلدي عن أبي، عن أبي المفضل محمد بن عبد الله بن المطلب الشيباني الكوفي قال:
حدثنا إبراهيم بن حفص بن عمر العسكري بالمصيصة من أصل كتابه، قال:
حدثنا عبيد بن الهيثم بن عبيد الله بن محمد الأنماطي بحلب، قال حدثنا عباد بن صهيب أبو محمد الكلبي، عن جعفر بن محمد، عن أبيه عليهما السلام، عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: لما فرغ رسول الله صلى الله عليه ومن هوازن، نزل بالطائف فحصر أهل «وج» أياما فسأله القوم أن ينتزح عنهم ليقدم وفدهم فيشترط لهم ويشترطون لأنفسهم، فسار عليه السلام حتى نزل مكة، فقدم عليه نفر منهم بإسلام قومهم، ولم ينجع القوم له بالصلاة
ولا بالزكاة.
فقال صلى الله عليه وآله: «إنه لا خير في دين لا يكون فيه ركوع ولا سجود، أما والذي نفسي بيده ليقيمن الصلاة وليؤتن الزكاة أو لأبعثن إليهم رجلا هو مني كنفسي، فليضربن أعناق مقاتليهم، وليسبين ذراريهم، هو هذا، هو هذا»..
ثم أخذ بيد علي عليه السلام فأشالها. ثم صار القوم إلى أهلهم بالطائف فأخبروهم بما قال رسول الله صلى الله عليه آله بالصلاة والزكاة، وأقروا بما شرط عليهم، فقال صلى الله عليه وآله: «ما استعصى علي أهل ملة ولا أمة إلا رميتهم بسهم الله»..
قالوا: یا رسول الله صلى الله عليك، وما سهم الله؟ قال: علي بن أبي طالب، ما بعثته في سرية قط إلا رأيت جبرئيل عن يمينه، وميكائيل عن يساره وملك الموت أمامه، وسحابة تظله حتى يعطي الله تعالى حبيبي النصر والظفر».
ونظير ذلك في أخبار كثيرة أتت على ألسنة الخاصة والعامة.
وإذا كان أمير المؤمنين عليه السلام، قائما مقام نفس رسول الله صلى الله عليه وآله فهو أفضل من كل من فضل عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وقد ثبت فضل رسول الله صلى الله عليه وآله على جميع خلق الله
تعالى بقوله: «أنا سيد البشر» وقوله : «أنا سيد ولد آدم ولا فخر».
ونحو ذلك مما اشتهاره وعموم العلم به مغن عن إيراد خبر فيه.
فأمير المؤمنين عليه السلام يليه في رتبة الفضل وهو بعده في المنزلة أفضل الخلق، وليس يلزم- على ما ثبت- من أنه نفس رسول الله صلى الله عليه وآله أن يساويه في الفضل، بحصول الإجماع على أن رسول الله صلى الله عليه وآله أفضل منه، ولو لا ذلك لكانا سوى في درجة الفضل.




