الذي نذهب إليه في ذلك هو: أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - صلوات الله عليه - أفضل من جميع البشر ممن تقدم وتأخر، سوى رسول الله صلى الله عليه وآله، وعلى هذا القول إجماع الشيعة الإمامية، ولم يخالف فيه منهم إلا الأصاغر
الذين حادوا عن الطريق المعروفة بما هم عليه من إهمالهم أو محافظة عن أهلها، وأنا أذكر ما عندي من الأدلة بعد تقرير أصل في هذه المسألة.
أصل في بيان الفضل
أقول: إن الفضل المذكور، هو في الحقيقة عظم المنزلة عند الله سبحانه المقتضية نعيم الفاضل في المعاد وزيادة الفضل هو ارتفاع المنزلة المقتضي زيادة نعيم مستحقها. فالواصل إلى الفاضل في الآخرة من النعيم أكثر من الواصل إلى المفضول ومنازل الفضل تتحصل بشيئين:
أحدهما: خطير الأعمال التي يتعاظم معها مستحق الثواب، فإنه لا شك في أن الثواب على الطاعات يتفاوت بحسب تفاوت الحسنات، كما أن العقاب على المعاصي يختلف بقدر اختلاف السيئات.
والآخر: التفضل من الله تعالى والاختصاص، ولا لبس في أنه سبحانه وتعالى يختص برحمته من يشاء.
والسبيل إلى معرفة فضل الفاضل شيئان أحدهما طارق السمع، والآخر الاعتبار، وكلاهما دال على أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام أفضل من سائر الأنام سوى رسول الله صلى الله عليه وآله محمد بن عبد الله، وأنا بعد هذا أذكر وجوه الاستدلال ومقدم ما يشهد بذلك من القرآن، فهو أفضل وارد منقول، وأعدل شاهد مقبول.
فصل فيما ورد من القرآن
قال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وآله عند مناظرته وفد نجران في المسيح عليه السلام: فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنت الله على الكاذبين.
فأمره سبحانه بأن يحضر لمباهلتهم في إثبات الحجة عليهم أبنائه ونسائه ونفسه فأجمعت الأمة على أنه صلى الله عليه وآله أتاهم ومعه علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام وأراد بقوله: نساءنا فاطمة عليها السلام و
أنه عبر عنها بلفظ الجمع.
وبقوله: أنفسنا علي بن أبي طالب عليه السلام وأن الله تعالى أقامه على طريق التشبيه والتمثيل في المنزلة وعلو القدر في الدنيا، وإثبات الحق على المخالفين بالحجة في نفس
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا يصلح أن يكون المراد بقوله: وأنفسنا نفسه خاصة، وإنما يدعو غيره إلى نفسه، والآية تتضمن أنه يدعو إلى نفسه، كما تتضمن أنه يدعو أبنائه ونسائه، فوجب أن يكون هناك مدعو عبر عنه بالنفس، ولم يكن مع الأبناء والمرأة - المعبر عنها بالنساء غير أمير المؤمنين صلى الله عليه، فوجب - بحكم التنزيل أن يكون هو النفس التي يدعو الرسول عليهما أفضل الصلاة والسلام.




