جرعوها ولوعورته حيث سلكوها وغلبت عليهم دنيا مؤثرة وهوى متبع وكان أمر الله قدرا مقدورا وقد فارق الإسلام قبلنا جبلة بن الأيهم فرارا من الضيم وأنفا من الذلة فلا تفخرن يا معاوية أن قد شددنا إليك الرحال وأوضعنا نحوك الركاب فتعلم وتنكر أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولجميع المسلمين.
ثم التفت إلى النجاشي وقال ليس بعشك فادرجي فشق على معاوية ذلك وغضب ولكنه أمسك فقال: يا عبد الله ما أردنا أن نوردك مشرع ظمأ لا أن نصدرك عن مكرع رواء ولكن القول قد يجري بصاحبه إلى غير الذي ينطوي عليه من الفعل ثم أجلسه معه على سريره ودعا له بمقطعات وبرود فصبها عليه ثم أقبل عليه بوجهه يحدثه حتى قام.
فلما قام طارق خرج وخرج معه عمرو بن مرة وعمرو بن صيفي الجهنيان فأقبلا عليه يلومانه في خطبته إياه وفيما عرض لمعاوية. فقال طارق لهما: والله ما قمت بما سمعتماه حتى خيل لي أن بطن الأرض أحب إلي من ظهرها عند إظهاره ما أظهر من البغي والعيب والنقص لأصحاب محمد ص ولمن هو خير منه في العاجلة والآجلة وما زهت به نفسه وملکه عجبه وعاب أصحاب رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) واستنقصهم ولقد قمت مقاما عنده أوجب الله علي فيه أن لا أقول إلا حقا وأي خير فيمن لا ينظر ما يصير إليه غدا وأنشأ يتمثل بشعر لبيد بن عطارد التميمي
لا تكونوا على الخطيب الخطيب مع الدهر *** فإني فيما مضى لخطيب
أصدع الناس في المحافل بالخطبة *** يعيا بها الخطيب الأريب
وإذا قالت الملوك: من الحاسم *** للداء؟ قيل: ذاك الطبيب
غير أني إذ قمت كاربني الكربة *** لا يستطيعها المكروب
وكذاك الفجور يصرعه البغي *** في الناس مخطئ ومصيب




