مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

الْأَنْوَارُ النُّعْمَانِيَّةُ - الْجُزْءُ 3 - نِعْمَةُ الله الْجَزَائِرِيُّ

تصفّح
سحب للأسفل
إظهار التشكيل
الصفحة 77 من 266

الأول انّها فانية فيجب على العاقل اجتنابها،فهو اشارة الى انّها في نفسها لذيذة وطيّبة لكنها فانية.

الثاني قولهم انّ طيّباتها ممزوجة بالألآم وراحتها بالكدورات،وهذا ايضا كالأول اشارة الى انّ فيها لذات طيبة لكن المانع للعاقل من ارتكابها ذلك المزج.

الثالث قولهم انّ الأراذل من الناس مشاركون الأفاضل في هذه اللّذات والراحات بل يزيدون عليهم فيها أضعافا كثيرة حتى انّ العقلاء قد تحيّروا في هذا فقالوا:

كم عاقل أعيت مذاهبه وجاهل جاهل تلقاه مرزوقا

هذا الذي ترك الأوهام حائرة وصير العالم النّحرير زنديقا

والأنصاف انّ صاحب هذا البيت وأمثاله لم يتفكروا في صنع اللّه تعالى ولم يدروا انّ الأرزاق على قسمين،قسم منها ما هو رزق للرّوح كالعلوم والمعارف،وقسم منها ما هو رزق للبدن كالمأكل والملابس والمناكح،فمن رزق من الأوّل حرم من الثاني وكذا العكس،فمن أرادهما معا كان عديم الأنصاف،ولو نظرت الى جاهل جمع من الأموال ما لا يحصى وأراد ان يبدلك ماله بعلمك حتى يكون لك جهله وحماقته لما رضيت ولما قبلت واذا كان الحال على هذا المنوال فلا ينبغي ان يصير العالم النّحرير زنديقا.

وبالجملة فقول الأكابر ذلك يدل على انّ حالات الدنيا وان كانت لذّات لكن يجب تركه لرذالة الشركاء ودنائتهم،وأمّا الحكماء فإنهم قالوا ان هذه الأحوال ليست في أنفسها سعادات ولا خير بل هي أحوال خسيسة ومطالب دنيّة في ذواتها،واذا كان الأمر كذلك فيكون الكلام دائر على امرين،احدهما ان تلك الأحوال خسيسة في نفسها،وثانيها انّها وان كانت احوالا شريفة الاّ انّه يلزمها لوازم مكروهة،امّا بيان الأمر الأول فيجيء على انواع.

النوع الأول أنّا رأينا الأنسان كلما كثر جوعه كان التذاذه بالأكل أتمّ،وكلّما كان عهده بالوقاع أطول كان التذاذه ايضا به أكمل،ولا شك انّ الجوع والأحتياج الى الوقاع ألمان شديدان فلمّا رأينا انّه كلّما كانت هذه الألام أشدّ كان دفعها ألذّ وأطيب غلب على الظّن انّه لا معنى لهذه اللذات والرّاحات الاّ مجرّد دفع تلك الألام السّابقة،ألا ترى انّ من جلس في الحمام الحار وغلب استيلاء الحرارة عليه فاذا فتح الباب ودخل عليه نسيم بارد فانّ الأنسان يستلذّ ذلك الهواء البارد استلذاذا في الغاية وما ذلك الاّ لأنّه عظم تألّمه بسبب الهواء الحارّ في الحمام،فلما وصل اليه النسيم البارد زال عنه تلك الحرارة المؤلمة فعلم منه انّه لا حاصل لتلك اللّذات الحسية الاّ دفع تلك

الأول انها فانية فيجب على العاقل اجتنابها،فهو اشارة الى انها في نفسها لذيذة وطيبة لكنها فانية.

الثاني قولهم ان طيباتها ممزوجة بالألآم وراحتها بالكدورات،وهذا ايضا كالأول اشارة الى ان فيها لذات طيبة لكن المانع للعاقل من ارتكابها ذلك المزج.

الثالث قولهم ان الأراذل من الناس مشاركون الأفاضل في هذه اللذات والراحات بل يزيدون عليهم فيها أضعافا كثيرة حتى ان العقلاء قد تحيروا في هذا فقالوا:

كم عاقل أعيت مذاهبه وجاهل جاهل تلقاه مرزوقا

هذا الذي ترك الأوهام حائرة وصير العالم النحرير زنديقا

والأنصاف ان صاحب هذا البيت وأمثاله لم يتفكروا في صنع الله تعالى ولم يدروا ان الأرزاق على قسمين،قسم منها ما هو رزق للروح كالعلوم والمعارف،وقسم منها ما هو رزق للبدن كالمأكل والملابس والمناكح،فمن رزق من الأول حرم من الثاني وكذا العكس،فمن أرادهما معا كان عديم الأنصاف،ولو نظرت الى جاهل جمع من الأموال ما لا يحصى وأراد ان يبدلك ماله بعلمك حتى يكون لك جهله وحماقته لما رضيت ولما قبلت واذا كان الحال على هذا المنوال فلا ينبغي ان يصير العالم النحرير زنديقا.

وبالجملة فقول الأكابر ذلك يدل على ان حالات الدنيا وان كانت لذات لكن يجب تركه لرذالة الشركاء ودنائتهم،وأما الحكماء فإنهم قالوا ان هذه الأحوال ليست في أنفسها سعادات ولا خير بل هي أحوال خسيسة ومطالب دنية في ذواتها،واذا كان الأمر كذلك فيكون الكلام دائر على امرين،احدهما ان تلك الأحوال خسيسة في نفسها،وثانيها انها وان كانت احوالا شريفة الا انه يلزمها لوازم مكروهة،اما بيان الأمر الأول فيجيء على انواع.

النوع الأول أنا رأينا الأنسان كلما كثر جوعه كان التذاذه بالأكل أتم،وكلما كان عهده بالوقاع أطول كان التذاذه ايضا به أكمل،ولا شك ان الجوع والأحتياج الى الوقاع ألمان شديدان فلما رأينا انه كلما كانت هذه الألام أشد كان دفعها ألذ وأطيب غلب على الظن انه لا معنى لهذه اللذات والراحات الا مجرد دفع تلك الألام السابقة،ألا ترى ان من جلس في الحمام الحار وغلب استيلاء الحرارة عليه فاذا فتح الباب ودخل عليه نسيم بارد فان الأنسان يستلذ ذلك الهواء البارد استلذاذا في الغاية وما ذلك الا لأنه عظم تألمه بسبب الهواء الحار في الحمام،فلما وصل اليه النسيم البارد زال عنه تلك الحرارة المؤلمة فعلم منه انه لا حاصل لتلك اللذات الحسية الا دفع تلك

الصفحة 77 من 266