وَفِي وَجْهٍ آخَرَ أَنَّهُ قَالَ لَهُمْ إِنِّي أَظْهَرُ مِنْ جِبَالِ فَارَانَ فَتَجَلَّى بِالْقُدْسِ وَأَسْتَتِرُ بِرُومِيَةَ الْكُبْرَى وَأُغَيَّبُ فِي الْأُرْدُنِّ ثُمَّ قَالَ أَلَا تَرَى أَنَّ الزُّنَّارَ دَائِرَةٌ إِذَا دَارَ عُقِدَ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ فَمَتَى انْحَلَّ الْعَقْدُ بَطَلَتِ الدَّائِرَةُ(1).
ثُمَّ قَالَ: فَلَمَّا أَرَادَ الْغَيْبَةَ قَالَ لِلْحَوَارِيِّينَ إِنِّي مُخْلِفٌ قُرْبَاناً هُوَ لَحْمِي وَلَكُمْ بِالْأَبِ الْأَكْبَرِ اللَّحْمَةُ وَالْوُصْلَةُ ثُمَّ قَالَ: هَذَا لَحْمِي وَدَمِي فَتَمَسَّكُوا بِهِ إِلَى أَنْ تَلْقُونِي أَرَادَ بِقَوْلِهِ هَذَا ظَاهِرِي وَبَاطِنِي فَتَمَسَّكُوا بِهِ(2) تَفْسِيرُ ذَلِكَ إِنْ غَابَ الظَّاهِرُ فَتَلَقَّوُا الْبَاطِنَ وَإِنْ غَابَ الْبَاطِنُ فَتَلَقَّوُا الظَّاهِرَ وَهُمَا دَلِيلَانِ عَلَى الْقُرْبَانِ وَالنَّارِ وَمَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَلَهُ قُرْبَانٌ وَكَانَ قُرْبَانُ آدَمَ وَرَقاً مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَلَى مَا عَلِمْنَاهُ فِي بَعْضِ التَّفَاسِيرِ أَنَّ الْوَرَقَ فِضَّةٌ مُحَرَّقَةٌ.
وَكَانَ قُرْبَانُ نُوحٍ(3) سَفِينَتَهُ وَكَانَ قُرْبَانُ إِبْرَاهِيمَ قَدُومَهُ الَّذِي كَسَرَ بِهِ الْأَصْنَامَ وَلَمْ يَكُنْ حَدِيداً بَلْ كَانَ شَخْصاً كَرِيماً وَلَقَدْ كَانَ إِبْرَاهِيمُ ذُو هَيْبَةٍ جَمِيلَ الْوَجْهِ بَهِيّاً مُضِيئاً وَمِنْ بَعْدِهِ مُوسَى فِي وَجْهِهِ قُطُوبَةٌ وَقَطَاطَةٌ وَغَيْضاً وَكَانَ قُرْبَانُهُ مَاءَ مَدْيَنَ وَمِنْ بَعْدِهِ عِيسَى شَعْرُهُ قَطَطٌ ذُو وَفْرَةٍ وَقَامَةٍ حَسَنَةٍ وَكَانَ قُرْبَانُهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ بَاطِنٍ وَظَاهِرٍ وَكَانَ قُرْبَانُ مُحَمَّدٍ اسْتِتَارُ أَشْبَاحِهِ(4).
وفي وجه آخر أنه قال لهم إني أظهر من جبال فاران فتجلى بالقدس وأستتر برومية الكبرى وأغيب في الأردن ثم قال ألا ترى أن الزنار دائرة إذا دار عقد في مكان واحد فمتى انحل العقد بطلت الدائرة(1).
ثم قال: فلما أراد الغيبة قال للحواريين إني مخلف قربانا هو لحمي ولكم بالأب الأكبر اللحمة والوصلة ثم قال: هذا لحمي ودمي فتمسكوا به إلى أن تلقوني أراد بقوله هذا ظاهري وباطني فتمسكوا به(2) تفسير ذلك إن غاب الظاهر فتلقوا الباطن وإن غاب الباطن فتلقوا الظاهر وهما دليلان على القربان والنار وما من نبي إلا وله قربان وكان قربان آدم ورقا من ورق الجنة وعلى ما علمناه في بعض التفاسير أن الورق فضة محرقة.
وكان قربان نوح(3) سفينته وكان قربان إبراهيم قدومه الذي كسر به الأصنام ولم يكن حديدا بل كان شخصا كريما ولقد كان إبراهيم ذو هيبة جميل الوجه بهيا مضيئا ومن بعده موسى في وجهه قطوبة وقطاطة وغيضا وكان قربانه ماء مدين ومن بعده عيسى شعره قطط ذو وفرة وقامة حسنة وكان قربانه ما تقدم من باطن وظاهر وكان قربان محمد استتار أشباحه(4).




