أَنْتَ؟ قَالَ لِي: أَنَا الْيَمَانِيُّ الَّذِي أَنْتَ فِي طَلَبِهِ وَقَدْ غَرَبَ عَلَيْكَ أَمْرُهُ، فَقُلْتُ لَهُ: لَسْتَ بِالصُّورَةِ الَّتِي رَأَيْتُكَ بِهَا بِحَضْرَةِ مَوْلَايَ وَكُنْتُ رَأَيْتُهُ رَجُلاً طَوِيلاً أَسْمَرَ اللَّوْنِ أَسْوَدَ الشَّعْرِ أَقْنَى الْأَنْفِ ذَا صَوْتٍ جَهِيرٍ مُعْتَمٍّ مُعْتَجِرٍ فَإِذَا هُوَ فِي صُورَةِ رَجُلٍ رَبْعٍ مِنَ الرِّجَالِ سَبْطِ الشَّعْرِ يَعْلُو شَعْرَهُ صُهُوبَةٌ دُرِّيُّ اللَّوْنِ مُشْرَبَةٌ وَجَنَاتُهُ بِحُمْرَةٍ حَتَّى كَأَنَّ خَدَّيْهِ يَقْطُرَانِ خَمْراً أَدْعَجُ الْعَيْنَيْنِ ذُو أَنْفٍ مَدِيدٍ وَصَوْتٍ عَذْبٍ وَنَغْمَةٍ حَسَنَةٍ فَقَالَ لِي: يَا أَبَا هَاشِمٍ لَوْ كُنْتَ مِنَ الْمُتَوَسِّمِينَ لَعَرَفْتَنِي فِي الصُّورَتَيْنِ، وَلَوْ لَحِقْتَ بِأَصْحَابِ الْأَعْرَافِ لَعَرَفْتَنِي فِي الْحَالَتَيْنِ، إِنَّ اللّٰه اخْتَبَرَكُمْ بِنَفْسِهِ وَظَهَرَ فِيكُمْ بِذَاتِهِ وَخَاطَبَكُمْ جِهَاراً وَلَمْ يَدَعْ لَكُمْ عَلَيْهِ حُجَّةً مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةً وَيُنْذِرُ أُخْرَى كَوْراً بَعْدَ كَوْرٍ وَدَوْراً بَعْدَ دَوْرٍ فَطُوبَى لِمَنْ تَخَلَّصَ فِي الْكَرَّاتِ وَالدَّوْرَاتِ وَإِنَّ اللّٰه جَلَّ اسْمُهُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَحْجُبَ الْخَلْقَ عَنْ ذَاتِهِ وَالْعَالَمَ عَنْ كُنْهِهِ لَمْ يَدَعْهُمْ هَمَلاً وَلَا سُدًى بَلْ يَخْتَبِرُهُمْ بِأَهْلِ الْمَقَامَاتِ وَالرُّتَبِ مِمَّنْ قَدِ اخْتَصَّهُ وَاصْطَفَاهُ فَيَكُونُ ذَلِكَ حُجَّةً عَلَى الْعَالَمِ بَعْدَ إِيقَاعِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، يَا أَبَا هَاشِمٍ هَذَا لِلْوَلِيِّ أَنْ يَأْتِيَهُ وَهُوَ مِمَّنْ قَدْ سَعِدَ بِالْقَبُولِ فَكَيْفَ تَحُدُّ أَوْ يَحُدُّ غَيْرُكَ مَعْنَى الْكُنْهِ وَالْغَايَةِ فَارْجِعْ إِلَى مَوْلَاكَ وَتَمَسَّكْ مِنْهُ بِهُدَاكَ فَإِنِّي حُجَّةٌ عَلَيْكَ وَكَذَا أَنْتَ حُجَّةٌ لِمَنْ هُوَ دُونَكَ حَتَّى يَعْرِفَ مَا عَرَفْتَ ثُمَّ دَفَعَ إِلَيَّ مِمَّا كَانَ فِي يَدِهِ حَصَاةً صَفْرَاءَ فَأَخَذْتُهَا ثُمَّ غَابَ
أنت؟ قال لي: أنا اليماني الذي أنت في طلبه وقد غرب عليك أمره، فقلت له: لست بالصورة التي رأيتك بها بحضرة مولاي وكنت رأيته رجلا طويلا أسمر اللون أسود الشعر أقنى الأنف ذا صوت جهير معتم معتجر فإذا هو في صورة رجل ربع من الرجال سبط الشعر يعلو شعره صهوبة دري اللون مشربة وجناته بحمرة حتى كأن خديه يقطران خمرا أدعج العينين ذو أنف مديد وصوت عذب ونغمة حسنة فقال لي: يا أبا هاشم لو كنت من المتوسمين لعرفتني في الصورتين، ولو لحقت بأصحاب الأعراف لعرفتني في الحالتين، إن الله اختبركم بنفسه وظهر فيكم بذاته وخاطبكم جهارا ولم يدع لكم عليه حجة مرة بعد مرة وينذر أخرى كورا بعد كور ودورا بعد دور فطوبى لمن تخلص في الكرات والدورات وإن الله جل اسمه إذا أراد أن يحجب الخلق عن ذاته والعالم عن كنهه لم يدعهم هملا ولا سدى بل يختبرهم بأهل المقامات والرتب ممن قد اختصه واصطفاه فيكون ذلك حجة على العالم بعد إيقاع الحجة عليهم، يا أبا هاشم هذا للولي أن يأتيه وهو ممن قد سعد بالقبول فكيف تحد أو يحد غيرك معنى الكنه والغاية فارجع إلى مولاك وتمسك منه بهداك فإني حجة عليك وكذا أنت حجة لمن هو دونك حتى يعرف ما عرفت ثم دفع إلي مما كان في يده حصاة صفراء فأخذتها ثم غاب




