وَقَالَ آخَرُونَ: خَمْسَةٌ وَاحِدٌ وَوَاحِدٌ خَمْسَةٌ، وَقَالَ أَهْلُ الْحَقِّ: الْأَحَدُ غَيْرُ الْوَاحِدِ، لِأَنَّ الْأَحَدَ أَحَدٌ مِنْ سَائِرِ الْجِهَاتِ، وَاحْتَجَّ أَهْلُ الْأَعْدَادِ فَقَالُوا: إِنَّمَا هِيَ أَعْدَادٌ مُخْتَلِفَةٌ فِي الْعَيْنِ، وَإِنَّ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الشُّعَاعِ مِنَ الشَّمْسِ، إِذَا دَخَلَ مِنْ خَمْسِ كُوًى رَأَتِ الْعَيْنُ خَمْسَةَ أَشْخَاصٍ وَهُمْ فِي الْأَصْلِ وَاحِدٌ غَيْرُ مُتَبَعِّضٍ وَلَا مُتَغَيِّرٍ، وَإِنَّمَا التَّغَايُرُ فِي الْكُوَى، فَقَالَ أَهْلُ الْإِفْرَادِ: هَذَا الْمَثَلُ بَاطِلٌ، لِأَنَّ الشَّمْسَ نُورٌ بَسِيطٌ يَسْلُكُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَا يَصُدُّهُ وَبَيَّنُوا إِنْ كَانَتِ الْكُوَى ثَلَاثَةً أَوْ أَرْبَعَةً أَوْ خَمْسَةً أَوْ مِئَةً أَوْ مِئَتَيْنِ أَوْ أَلْفًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهَذَا يَدْعُو إِلَى الْقَوْلِ بِغَيْرِ الْجَمِيعِ، إِذِ الْأَشْخَاصُ كُلُّهَا أَمَاكِنُ لِسُلُوكِ الْأَنْوَارِ اللَّطِيفَةِ (1).
ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ قِيلَ إِنَّ الْجَنِينَ إِذَا وُلِدَ لِسَبْعَةِ أَشْهُرٍ عَاشَ، وَإِنْ وَضَعَتْهُ أُمُّهُ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ أَوْ ثَمَانِيَةِ أَشْهُرٍ لَمْ يَعِشْ، لِأَنَّ السِّتَّةَ وَالثَّمَانِيَةَ مُمْتَحَنُونَ بَيْنَ السَّبْعَةِ وَالتِّسْعَةِ، فَجَعَلَ الْجَنِينَ مَثَلًا عَلَى طَالِبِ الْمَعْرِفَةِ، فَإِذَا لَحِقَ بِمَعْرِفَةِ السَّبْعِ ظُهُورَاتٍ الذَّاتِيَّةِ رُجِيَ لَهُ تَمَامُ الْمَعْرِفَةِ فَيَعِيشُ وَرَضَاعُهُ تَغْذِيَتُهُ، وَكَذَلِكَ إِنْ لَحِقَ بِمَعْرِفَةِ التِّسْعَةِ رُجِيَ لَهُ التَّمَامُ، وَهَذَا مِنَ الْأَسْرَارِ الْخَفِيَّةِ.
وقال آخرون: خمسة واحد وواحد خمسة، وقال أهل الحق: الأحد غير الواحد، لأن الأحد أحد من سائر الجهات، واحتج أهل الأعداد فقالوا: إنما هي أعداد مختلفة في العين، وإن ذلك بمنزلة الشعاع من الشمس، إذا دخل من خمس كوى رأت العين خمسة أشخاص وهم في الأصل واحد غير متبعض ولا متغير، وإنما التغاير في الكوى، فقال أهل الإفراد: هذا المثل باطل، لأن الشمس نور بسيط يسلك في كل موضع إذا لم يكن له ما يصده وبينوا إن كانت الكوى ثلاثة أو أربعة أو خمسة أو مئة أو مئتين أو ألفا أو أكثر من ذلك فهذا يدعو إلى القول بغير الجميع، إذ الأشخاص كلها أماكن لسلوك الأنوار اللطيفة (1).
ثم قال: وقد قيل إن الجنين إذا ولد لسبعة أشهر عاش، وإن وضعته أمه لستة أشهر أو ثمانية أشهر لم يعش، لأن الستة والثمانية ممتحنون بين السبعة والتسعة، فجعل الجنين مثلا على طالب المعرفة، فإذا لحق بمعرفة السبع ظهورات الذاتية رجي له تمام المعرفة فيعيش ورضاعه تغذيته، وكذلك إن لحق بمعرفة التسعة رجي له التمام، وهذا من الأسرار الخفية.




