مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

رِسَـالَةُ نَفْيِ الصِّفَاتِ وَإِفْرَادِ الذَّاتِ مِنَ الذَّوَاتِ - الشَّيْخِ مُحَمَّد الدَّرْوِيشِ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 60 من 102

ثُمَّ قَالَ فِي دِيوَانِهِ فِي الْقَصِيدَةِ الْهَائِيَّةِ وَإِشَارَتِهِ فِيهَا لِمَوْلَاهُ بِالْمَعْنَوِيَّةِ:

اللَّهُ أَكْبَرُ أَكْبَرُ اللَّهُ

اسْمٌ لِمَعْنَى جَلَّ مَنْ سَمَّاهُ

أَرَادَ بِقَوْلِهِ: جَلَّ مَنْ سَمَّاهُ اسْمًا مُحْدَثًا أَحْدَثَهُ مَوْلَاهُ: وَجَعَلَهُ مَعْنَاهُ اسْمًا لِمَوْلَاهُ أَيْ: لَوْلَاهُ مَا عُرِفَ الْمَعْنَى وَلَا أَشَارَ إِلَيْهِ بِمَعْنَى، إِلَى قَوْلِهِ فِي الْقَصِيدَةِ اللَّامِيَّةِ:

الْمَاءُ شَخْصٌ جَلِيلٌ

مِنْهُ الْحَيَاةُ تَطُولُ

وَبَاطِنُ الْمَاءِ شَخْصٌ

هُوَ الرَّسُولُ الدَّلِيلُ

أَرَادَ بِقَوْلِهِ -قَدَّسَهُ اللَّهُ- فَالشَّخْصُ هُوَ الِاسْمُ الْمُحْدَثُ عَنْ بَارِيهِ، حَيَاتُهُ لَا تَحُولُ وَلَا أُجْرِيَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ، إِلَى قَوْلِهِ: وَكُلُّ شَيْءٍ فَمِنْهُ عَطْفًا عَلَى الْمَاءِ، أَيْ كُلُّ شَيْءٍ مِنَ الْمَاءِ مِنْهُ وَإِلَيْهِ، وَالشَّيْءُ هُوَ النُّورُ الْمُتَأَخِّرُ، سَبَقَهُ مَنْ لَهُ قَدَّرَ، إِلَى قَوْلِهِ فِي الْقَصِيدَةِ الْمِيمِيَّةِ:

وَرَبْوَةِ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينِ

بِهَا مَرْيَمُ وَلَدَتْ بِالْغُلَامِ

أَرَادَ بِقَوْلِهِ مَرْيَمُ هِيَ السِّينُ، وَالْغُلَامُ ابْنُهَا عِيسَى -عَزَّ عَزُّهُ- إِلَى قَوْلِهِ:

وَمِعْرَاجِ أَحْمَدَ نَفْسِي الْفِدَا

لِمِعْرَاجِهِ بَيْنَ هَاءٍ وَلَامِ

بَيْنَ الْهَاءِ وَاللَّامِ إِشَارَةٌ لِمَنْ فَطِنَ الْعِبَارَةَ، إِلَى قَوْلِهِ فِي النَّيْرُوزِيَّةِ:

وَلِسَلْسَلٍ فِيهِ ظُهُورٌ مُهَيْمِنُ

مُتَابِعٌ لِقَدِيمِهِ الْمُتَقَادِمِ

أَرَادَ بِقَوْلِهِ الْمُهَيْمِنُ هُوَ الِاسْمُ الْمُحْدَثُ، مُتَّبِعٌ لِقَدِيمِهِ، فَبَانَ أَنَّ لَهُ قَدِيمٌ أَقْدَمَ مِنْهُ، وَمَا كَانَ أَقْدَمَ مِنْهُ أَسْبَقَ مِنْهُ.

كَمَا وَرَدَ فِي الْخَبَرِ الْمَأْثُورِ أَنَّ دَاوُدَ النَّبِيَّ -عَزَّ عَزُّهُ- : سَأَلَ رَبَّ الْعِزَّةِ فَقَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ كُنْتَ قَبْلَ الْخَلْقِ؟ فَقَالَ: كُنْتُ كَنْزًا مَخْفِيًّا، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أُعْرَفَ فَخَلَقْتُ خَلْقًا فَتَعَرَّفْتُ إِلَيْهِمْ فَبِي عَرَفُونِي، أَرَادَ بِقَوْلِهِ فَبِي عَرَفُونِي أَيْ: بِالنُّورِ الْمُتَأَخِّرِ عَرَفُوهُ أَنَّهُ الْإِلَهُ الْأَوَّلُ الْمُتَقَدِّمُ فِي الظُّلْمَةِ السَّابِقَةِ، وَهِيَ الْكَنْزُ الْمَخْفِيُّ عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَ، وَلِهَذَا قَالَ أَبُو سَعِيدٍ -قَدَّسَهُ اللَّهُ- فِي دُعَائِهِ: يَا قَدِيمُ يَا أَزَلُ فِيكَ عَرَفْتُكَ وَبِكَ اهْتَدَيْتُ، وَلَوْلَاكَ مَا أَدْرِي مَا أَنْتَ، وَنَفْسُكَ الِاسْمُ دَلَّ عَلَيْكَ وَأَنْتَ دَلَلْتَ عَلَى نَفْسِكَ.

كَمَا وَرَدَ فِي الْخَبَرِ إِنَّ الْحَارِثَ الْهَمْدَانِيَّ حُمِلَ عَلَى رَجُلٍ بِحَضْرَةِ مَوْلَانَا أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ -عَزَّ عَزُّهُ- : فَطَعَنَهُ فَأَرْدَاهُ، فَقَالَ الْحَارِثُ عِنْدَمَا سَقَطَ الرَّجُلُ: اللَّهُ أَكْبَرُ اسْمٌ لِمَعْنَى جَلَّ مُسَمِّيهِ، فَتَبَسَّمَ مَوْلَانَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَقَالَ لَهُ: وَحَّدْتَ يَا أَخَا هَمْدَانَ (1).

الهوامش

1الْمِصْرِيَّةُ الْبَابُ الْخَامِسُ.
الصفحة 60 من 102