وَإِلَى هَذَا أَشَارَ الْعَالِمُ الْعَامِلُ مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ فَكَانَ مِنْ قَوْلِهِ -قَدَّسَهُ اللَّهُ- أَنَّ الْبَارِي -عَزَّ عَزُّهُ- : قَالَ لِلْمِيمِ: أَدْبِرْ، فَأَدْبَرَ فَبَانَ عَنْهُ مُنْفَصِلًا، وَقَوْلُهُ: أَدْبِرْ أَظْهَرَ الْغَيْبَةَ وَالِاسْتِتَارَ فَكَانَ إِدْبَارُهُ إِقْبَالًا وَإِقْبَالُهُ إِظْهَارًا(1)، وَقَدْ رُوِيَ إِنَّ الِاخْتِرَاعَ انْفِصَالُ الصُّورَةِ مِنَ الصُّورَةِ لِتُعْرَفَ هَذِهِ مِنْ هَذِهِ، هَذَا رَبٌّ وَهَذَا عَبْدٌ، هَذِهِ أَنْزَعِيَّةٌ مَعْنَوِيَّةٌ وَهَذِهِ اسْمِيَّةٌ مُحَمَّدِيَّةٌ، تِلْكَ صِفَةُ الْأُلُوهِيَّةِ وَهَذِهِ صِفَةُ الرُّبُوبِيَّةِ هَذَا بِوَفْرِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ فَوْقَهُ غَايَةً وَهَذَا أَصْلَعُ لِأَنَّهُ تَعَالَى غَايَةُ كُلِّ غَايَةٍ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ الْمَعْنَى اسْمًا عَقْلًا، لِأَنَّهُ عَقَلَ عَنْ مَوْلَاهُ أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ(2) ثُمَّ قَالَ: فَلَمَّا شَاءَ أَنْ يَجْعَلَ الرَّتْقَ فَتْقًا، وَالسُّكُونَ حَرَكَةً، وَالْكِيَانَ عِيَانًا، اخْتَرَعَ الِاسْمَ مِنْ نُورِ ذَاتِهِ، وَأَقَامَ شَخْصَهُ، وَنَادَاهُ وَخَاطَبَهُ وَنَاجَاهُ، وَجَعَلَهُ اسْمَهُ الْأَجَلَّ الَّذِي بِهِ يُدْعَى وَحِجَابَهُ الْأَدْنَى، وَمَثَلَهُ الْأَعْلَى الَّذِي يَقُولُ فِيهِ جَلَّ: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَىٰ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾(3) ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ إِنَّ الْإِشَارَاتِ تَقَعُ عَلَى الِاسْمِ -عَزَّ عَزُّهُ- ، وَالتَّسْبِيحُ وَالتَّقْدِيسُ وَالتَّوَجُّهُ إِلَيْهِ وَالْقَصْدُ بِالْعِبَادَةِ وَحَقِيقَتُهَا لِلْمَعْنَى، لِأَنَّ الْمَعْنَى لَا يَدْخُلُ تَحْتَ شَكْلٍ وَلَا تَقَعُ عَلَيْهِ إِشَارَةٌ، ثُمَّ قَالَ: وَالْمَعْنَى تَعَالَى جَدُّهُ لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ وَلَا مُدْرَكٍ وَلَا مَحْدُودٍ وَلَا مَوْصُوفٍ، فَالِاسْمُ قُدْرَةُ الْمَعْنَى وَسُلْطَانُهُ وَوَجْهُهُ الَّذِي يَقُولُ فِيهِ: ﴿وَكَانَ عِندَ
1الْمِصْرِيَّةُ الْبَابُ السَّادِسُ.
2الْمِصْرِيَّةُ الْمُقَدِّمَةُ.
3سُورَةُ الرُّومِ الْآيَةُ 27.




