ثُمَّ قَالَ ابْنُ هَارُونَ: يَا سَيِّدِي فَإِلَى أَيِّهِمَا تَكُونُ الْإِرَادَةُ وَحَقِيقَةُ نَفْسِ الْعِبَادَةِ؟ فَقَالَ: يَا ابْنَ هَارُونَ، إِنْ فَصَلْتَ انْفَصَلْتَ وَإِنْ وَصَلْتَ اتَّصَلْتَ، أَمَا رَأَيْتَ الْخَبَرَ الْمَأْثُورَ عَنِ الْمَوْلَى جَعْفَرٍ الرَّفِيعِ -عَزَّ عَزُّهُ- : حَيْثُ قَالَ: مَنْ عَبَدَ الِاسْمَ دُونَ الْمَعْنَى فَقَدْ كَفَرَ، وَمَنْ عَبَدَ الِاسْمَ وَالْمَعْنَى فَقَدْ أَشْرَكَ، وَمَنْ عَبَدَ الِاسْمَ بِحَقِيقَةِ الْمَعْنَى فَقَدْ وَحَّدَ، وَمَعْنَى قَوْلِ مَوْلَانَا -عَزَّ عَزُّهُ- : مَنْ عَبَدَ الِاسْمَ دُونَ الْمَعْنَى فَقَدْ كَفَرَ أَيْ: حَظَّرَ مِنْ عِبَادَةِ الِاسْمِ دُونَ الْمَعْنَى وَكَفَّرَ مَنْ يَعْبُدُهُ.
ثُمَّ قَالَ: وَمَنْ عَبَدَ الِاسْمَ وَالْمَعْنَى فَقَدْ أَشْرَكَ، فَهَذَا حَقِيقًا بَيِّنًا بِأَنَّهُ نَفْسُ الشِّرْكِ إِذْ عَبَدَ اثْنَيْنِ، وَمَنْ عَبَدَ الِاسْمَ بِحَقِيقَةِ الْمَعْنَى فَقَدْ وَحَّدَ، أَرَادَ أَنَّ مَنْ عَبَدَ الِاسْمَ بِأَنَّهُ اسْمٌ لِلْمَعْنَى يُدْعَى بِهِ فَقَدْ وَحَّدَ، كَمَا أَنَّهُ يُقَالُ لِلثَّلْجِ مَاءٌ وَلَا يُقَالُ لِلْمَاءِ ثَلْجٌ لِأَنَّهُ غَيْرُ الثَّلْجِ، وَلَيْسَ الثَّلْجُ غَيْرَ الْمَاءِ لِأَنَّهُ مِنْهُ تَكَوَّنَ وَبَدَا وَلَيْسَ لِأَحَدٍ بِأَنْ يَفْصِلَ بَيْنَ الثَّلْجِ وَالْمَاءِ لِأَنَّ نَفْسَهُ مَاءٌ فَهُوَ مَفْصُولٌ عَنْهُ بِالْمُشَاهَدَةِ مُتَّصِلٌ بِهِ فِي نَفْسِ الْحَقِيقَةِ (1).
فَهَذَا شَرْحٌ وَاضِحٌ لِمَنْ تَدَبَّرَهُ وَقَوْلٌ كَافٍ لِمَنْ تَأَمَّلَهُ، يُسْتَدَلُّ مِنْهُ عَلَى حَيْثُ الْإِشَارَةِ فِي إِثْبَاتِ وَحْدَةِ الْأَحَدِ وَبَيَانِ مَنْزِلَةِ الْوَاحِدِ.




