وَبِالْإِسْنَادِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- قَالَ: سَأَلْتُ مَوْلَايَ الصَّادِقَ -عَزَّ عَزُّهُ- : عَنْ صِفَاتِ الْأَزَلِ فَقَالَ: الْعَقْلُ، فَقُلْتُ لَهُ: وَمَا الْعَقْلُ؟ فَقَالَ: أَنَا الْعَقْلُ، وَبِي يَعْقِلُ الْعَاقِلُ، وَبِي يَنْظُرُ النَّاظِرُ، وَبِي يَتَحَرَّكُ السَّاكِنُ، وَبِي يُذَاقُ الطَّيِّبُ، وَبِي تَحُسُّ الْحَوَاسُّ، وَإِلَيَّ أَفَاضَ النَّاسُ.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنِ سِنَانٍ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- كَيْفَ مَنْزِلَتُهُ مِنَ الْأَزَلِ؟ فَقَالَ: كَمَنْزِلَةِ الْعِلْمِ مِنَ الْعَالِمِ، لَيْسَ هُوَ مُنْفَصِلًا عَنْهُ وَلَا هُوَ سِوَاهُ، وَاعْلَمْ يَا مُحَمَّدُ أَنَّ الْأَزَلَ أَطْلَعَ مِنْ نُورِ ذَاتِهِ نُورًا عَامًّا مَادًّا لَمْ يَفْصِلْ مِنْهُ وَلَا غَابَ عَنْهُ فَسَمَّاهُ عَقْلًا وَخَاطَبَهُ بِهِ فَقَالَ لَهُ: مَنْ أَنَا؟ فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ الْمُبْدِي لِي وَأَنَا مِنْكَ، فَقَالَ لَهُ: أَدْبِرْ أَيْ: اظْهَرْ كَالْمُنْفَصِلِ مِنِّي، فَظَهَرَ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: أَقْبِلْ وَعُدْ، أَيْ: اتَّصِلْ بِي فَاتَّصَلَ، فَقَالَ لَهُ بِهِ، وَخَاطَبَهُ مِنْهُ: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي، مَا خَلَقْتُ خَلْقًا قَبْلَكَ، إِذْ لَا قَبْلَ لَكَ إِلَّا أَنَا، وَأَنَا مَعْدِنُكَ وَلَا أَخْلُو مِنْكَ، لِأَنَّكَ مِنْ نُورِ ذَاتِي بَدَأْتُ وَبِكَ أُدْعَى لِأَنَّكَ إِشَارَتِي وَنُورِي فِي سَمَوَاتِي وَأَرْضِي، بِكَ آخُذُ حَقِّي مِنْ خَلْقِي وَبِكَ أُجَازِي مَنْ عَرَفَنِي وَأَقَرَّ بِي، وَأَنْتَ الْوَاحِدُ الَّذِي لَا مِثْلَ لَكَ، وَأَنَا الْأَحَدُ الْعَلِيُّ الْحَمِيدُ، أَرَادَ بِقَوْلِهِ أَقْبِلْ بِالصُّورَةِ الْمُشَاكِلَةِ لِلْجِنْسِ، وَأَدْبِرْ أَرَادَ بِهِ الْغَيْبَةَ مِنْ غَيْرِ خُنُسٍ، فَهَذَا قَدْ عَلِمَهُ الْعَاقِلُ الْمُتَدَرِّبُ وَإِلَى مَعْرِفَةِ مَوْلَاهُ بِعِلْمِهِ قَرَّبَ مِنْ صَمِيمِ الْعِلْمِ الْمَكْنُونِ، وَالسِّرِّ الْعَظِيمِ الْمَخْزُونِ، أَمَانًا لِلسَّالِكِ وَسَخَطًا لِلْهَالِكِ.




