بِقَوْلِهِ: جَوْهَرٌ يَقْدِرُ وَجَوْهَرٌ لَا يَقْدِرُ، فَالَّذِي يَقْدِرُ أَقْدَرُ عَلَى أَنْ يُقَدِّرَ غَيْرَهُ وَلَا يُقَدَّرَ عَلَيْهِ، فَالْقَادِرُ الْأَوَّلُ قَادِرٌ أَنْ يَجْعَلَ مَكَانَ الْكَلَامِ إِرَادَةً، وَمَكَانَ الْفَرَحِ حُزْنًا، وَمَكَانَ الطَّاعَةِ مَعْصِيَةً، وَمَا دُونَ ذَلِكَ فَهُوَ الِاسْمُ الْمُحْدَثُ، لَا يَقْدِرُ أَنْ يَجْعَلَ فِي مَكَانِ نَفْسِهِ غَيْرَهُ، بَلْ يَقْدِرُ أَنْ يَجْعَلَ فِي مَكَانِ الصُّفْرَةِ حُمْرَةً وَفِي مَكَانِ الْحُمْرَةِ صُفْرَةً، وَهَذَا حَدُّ الصِّفَةِ وَالْمَوْصُوفِ فَالصِّفَةُ الِاسْمُ وَالْمَوْصُوفُ الْبَابُ.
قَالَ السَّائِلُ: فَمَا وَزْنُ الْقِدَمِ وَالْحَدَثِ؟ قَالَ الْعَالِمُ: -عَزَّ عَزُّهُ- هَذَا الْمُحْدَثُ هُوَ وَزْنُ الْقِدَمِ، وَلَيْسَ هُوَ وَزْنَ الْإِثْبَاتِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُحْدَثَ جَاءَ فَلَمْ يَنْفِ الْقِدَيمَ وَجَاءَ الْقَدِيمُ فَنَفَى الْمُحْدَثَ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُحْدَثَ لَيْسَ مِنْ فِعْلِ الْقَدِيمِ وَلَوْ كَانَ فِعْلَهُ لَمْ يَنْفِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْقَدِيمَ صِفَةٌ مَعْبُودَةٌ فَأَعْتوَزَ الرَّبُّ صِفَةَ الْحَدَثِ فِي الْمُحْدَثِينَ، فَصَارَ بِوَصْفِهِمْ يُوصَفُ، وَيَرَوْنَهُ كَمَا يَرَوْنَ أَنْفُسَهُمْ وَعِنْدَمَا يَرَوْنَهُ بِالْحَدَثِ لَا يَرَوْنَهُ بِالْقِدَمِ، أَرَادَ بِقَوْلِهِ: أَنَّ الْمُحْدَثَ هُوَ النُّورُ الْمُتَأَخِّرُ وَصِفَتُهُ الْحَرَكَةُ، وَمِنْ صِفَاتِهِ مَا كَانَ لَهُ عَقِيبٌ يُشْبِهُ عَقِيبَهُ وَقَدْ يَقَعُ عَلَيْهِ التَّغَايُرُ وَمَعْنَاهُ فَهُوَ غَيْرُ الْإِلَهِ الْأَوَّلِ، وَأَمَّا الْقِدَمُ فَصِفَتُهُ الْجَمَادُ وَلَمْ يُوجَدْ لَهُ عَقِيبٌ مِثْلُهُ وَلَيْسَ لَهُ اسْمٌ غَيْرُ الْجَوْهَرِ الْمُحْدَثِ.




