وَقَالَ الْمُنْتَجَبُ الدِّينِ -قَدَّسَهُ اللَّهُ- سِرُّهُ الْمَتِينُ: (وَمَا الْعِجَافُ لِلسِّمَانِ تَأْكُلُ) وَقَالَ اللََّهُ تَعَالَى: ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾(1) وَلَرُبَّمَا مِنْ بَعْضِ الطَّوَائِفِ قَالَتْ فِي مَرْيَمَ وَابْنِهَا إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَهَذَا لَهُ تَعْبِيرٌ إِذَا عَبَّرَهُ الْخَبِيرُ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا أَوَّلَتْهُ النَّصَارَى مِنَ الْأَبِ وَالِابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ، فَلَقَدِ اتَّخَذُوا الْإِلَهَيْنِ إِلَهًا وَاحِدًا لَكِنَّهُمْ مَا عَرَفُوا الْأَصْلَ وَبَعَّضُوا صَاحِبَ الْفِعْلِ.
وإذ ﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا﴾ فَدَلَّ عَلَيْهَا بَعْضُ الْمُتَفَقِّهِينَ فِي الْعِلْمِ أَنَّهَا فِي بَعْضِ الصَّوَامِعِ كَانَتْ تَنْزِلُ عَلَى سَيِّدِنَا يَسُوعَ وَإِلَى الْآنَ وَإِلَى مُوسَى مِنْ قَبْلِهِ فِي الْبِيَعِ، إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا﴾ وَعَلَى مَا خَبَّرَتْ عَنْهُ الْكَهَنَةُ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي أَوَائِلِ طُفُولَتِهِ وَلَهَا أَنْ تُرْفَعَ فِي أَوَاخِرِ عُمُرِهِ بَعْدَ أَنْ غَابَتْ فِي السَّمَاءِ. وَحَقّاً أَقُولُ: إِنَّ مَنْ فَوْقَهُ مَنْ يَمْلِكُهُ وَيُظْهِرُهُ وَيُغِيبُهُ لَاسِيَّمَا إِذَا مَرَّ بِيَدِهِ وَلِحْيَتُهُ سَوْدَاءُ فَتَصِيرُ بَيْضَاءَ، وَلَرُبَّمَا كَانَتْ بَيْضَاءَ فَيَمُرُّ بِيَدِهِ فَتَصِيرُ سَوْدَاءَ، وَعَلَى مَا خَبَّرَ الثِّقَاتُ أَنَّهُ كَانَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ قَرْنٌ يَرْشَحُ زَيْتاً فَمَرَّ مُوسَى بِيَدِهِ عَلَيْهِ فَجَفَّ الزَّيْتُ، فَلَمَّا أَنْ جَاءَ عِيسَى فَمَرَّ بِيَدِهِ عَلَى الْقَرْنِ فَرَشَحَ زَيْتاً كَمَا كَانَ وَهٰذَا دَائِمٌ بِدَوَامِ الدَّهْر(2).




