مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

بَسَاتِينُ الدَرْوِيش - الشَّيْخِ مُحَمَّد الدَّرْوِيشِ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 44 من 49

اللهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ فَقَالَ لَهُ القَوْمُ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الحَقُّ المُبِينُ فَآتِ يَا أَفْرِيدُونُ بِآيَةٍ مِثْلِ هَذَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ فَقُلْتُ لَهُمْ قَدْ جَاءَنِي المُمِيرُ فِي أَمْثَالٍ مِنْ تَصَانِيفِ الأَفْعَالِ فَإِنْ شِئْتُمْ أُرِيكُمُ الحَقَّ قَبْلَ الخَلْقِ وَمَعَ الخَلْق وَبَعْدَ الخَلْقِ(1) فَاعِلاً لِلصِّفَةِ تَخْفِضُ عِنْدَهُ الأَمْثَالُ كَاليَعْبُوبِ(2) وَهَا أَنَا الطَّالِبُ لَا المَطْلُوبُ(3) وَلَمَّا قَضَى الوَطَرَ نَهَضَ عَلَى الأَثَرِ فَقَالَ لَهُ القَوْمُ يَا أَفْرِيدُونُ بِأَنْفُسِنَا نَفْدِيكَ لَقَدْ سَعِدَ بِكَ نَادِيكَ وَلَمْ يَكُنْ مِمِيرُكَ بَعْدَ أَنْ أَدْبَرَ إِلَّا كَلَمْحِ البَصَرِ سَعْدُ سَعِيدٍ وَبَابُ حَدِيدٍ فَأَنْشَدَهُ شِعْراً كَمَا أَصْبِرَ لَكَ صَبْراً:

كَمْ وَكَمْ حُلُولُهُ

كَمْ وَكَمْ مَحْلُولُهُ(4)

كَمْ وَكَمْ مَعْلُومُهُ

كَمْ وَكَمْ مَجْهُولُهُ

٢٣١

كَمْ وَكَمْ دَلِيلُهُ

كَمْ وَكَمْ مَدْلُولُهُ _

قَالَ أَفْرِيدُونُ: فَبَادَرَنَا المُمِيرُ بِالرُّقْعَةِ وَكَشَفَ لَنَا الصَّلْعَةَ(5) وَتَخَتَّمَ بِالخَوَاتِمِ وَجَعَلَهُمْ فِي الخِنْصَرِ لَا فِي البَاهِمِ(6) وَتَارَةً يَتَخَتَّمُ بِالعَقِيقِ(7) فِي مُنْتَصَفِ الطَّرِيقِ وَمَا زِلْنَا نَكْرَعُ الكُؤُوسَ مِنْ يَدِ مُمِيرِنَا أَفْرِيدُوسَ مِنَ المَسْجِدِ الأَقْصَى إِلَى المَسْجِدِ الأَدْنَى(8) وَأَظْهَرَ لَنَا آيَتَهُ الكُبْرَى وَتَمَاشَى قَهْقَرَى وَتَوَارَى بِحَيْثُ يَرَى(9) وَكَلَّمَنَا بِالعَرَبِيَّةِ وَنَادَانَا بِالفَارِسِيَّةِ(10) وَلَمَّا وَلَدَتْه غُلَامٌ جُعِلَ يَدَمْدِمُ(11) بِلُغَةِ العَجَامِ فَلَبَّتْهُ الدَّايَاتُ(12) فِي المَهْدِ وَأَخَذَتْ مِنْهُ النَّطْعَ(13) فِي اللَّحْدِ وَجَعَلَتْ

الهوامش

1فَقَوْلُهُ: أُرِيكُمُ الحَقَّ قَبْلَ الخَلْقِ وَمَعَ الخَلْقِ وَبَعْدَ الخَلْقِ، أَيْ أُعَرِّفُكُمُ الحَقَّ، لِأَنَّ الِاسْمَ هُوَ الَّذِي دَلَّ وَعَرَّفَ الخَلْقَ إِلَى مَعْرِفَةِ الحَقِّ، قَالَ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾وَقَوْلُهُ: أُرِيكُمُ الحَقَّ قَبْلَ الخَلْقِ، وَذَلِكَ لَمَا سُئِلَ: أَيْنَ كَانَ رَبُّنَا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الخَلْقَ؟ قَالَ: «فِي عَمَاءٍ مَا فَوْقَهُ هَوَاءٌ وَمَا تَحْتَهُ هَوَاءٌ» وَلَعَلَّ هَذَا يُفِيدُ مَعْنَى مَا قَالَ مَوْلَانَا أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ -عَزَّ عَزُّهُ- : مَا رَأَيْتُ شَيْئاً إِلَّا وَرَأَيْتُ اللهَ قَبْلَهُ، وَمَا رَأَيْتُ شَيْئاً إِلَّا وَرَأَيْتُ اللهَ فِيهِ، وَمَا رَأَيْتُ شَيْئاً إِلَّا وَرَأَيْتُ اللهَ بَعْدَهُ» وَقَبْلَ الخَلْقِ كُنْتُ كَنْزاً مَخْفِيّاً فَأَحْبَبْتُ أَنْ أُعْرَفَ»، فَهَذَا «قَبْلَ الخَلْقِوَ«مَعَ الخَلْقِ» بِأَنْ تَعَرَّفَ إِلَيْهِمْ بِالصُّورَةِوَ«بَعْدَ الخَلْقِ» هُوَ نَفْسُ مَعْنَى َبْلَ الخَلْقِ، وَلَكِنْ رُبَّمَا أَرَادَ بِقَوْلِهِ: الخَلْقُ: البَابَ الأَكْرَمَ، وَهُوَ مِنْ أَسْمَاءِ البَابِ فِي كُتُبِ أَهْلِ التَّوْحِيدِ، وَهُوَ النَّظْرَةُ الضِّيَائِيَّةُ، وَهُوَ الحَدُّ الفَاصِلُ وَالبَرْزَخُ فَقَبْلَ الخَلْقِ أَرَادَ نَظْرَةَ الِاسْمِ الفَيْضِ، وَقَوْلُهُ مَعَ الخَلْقِ أَيِ النَّظْرَةُ الضِّيَائِيَّةُ، وَقَوْلُهُ: بَعْدَ الخَلْقِ أَيِ النَّظْرَةُ الظِّلِّيَّةُ
2اليَعْبُوبُ: الفَرَسُ السَّرِيعُ وَالجَوَادُ السَّهْلُ فِي عَدْوِهِ، وَالوَطَرُ: الحَاجَةُ
3الطَّالِبُ لَا المَطْلُوبُ: يَعْنِي الِاسْمَ لَا المَعْنَى، لِأَنَّ أَبَا شُعَيْبٍ -مِنْهُ السَّلَامُ- قَالَ: مَا وَرَائِي لِطَالِبٍ مَطْلَبٌ، فَتَنَبَّهْ
4كمْ عَلَى وَجْهَيْنِ: خَبَرِيَّةٌ بِمَعْنَى كَثِيرٍ، وَاسْتِفْهَامِيَّةٌ بِمَعْنَى أَيِّ عَدَدٍوَحُلُولُهُ: نُزُولُهُ وَتَجَلِّيهِ، وَالْمَحْلُولُ ضِدُّ الْمَعْقُودِ، وَالْحُلُولُ أَقْسَامٌ: مِنْهَا الْحَيِّزِيُّ كَحُلُولِ الْأَجْسَامِ فِي الْأَحْيَازِ وَالْوَصْفِيُّ كَحُلُولِ السَّوَادِ فِي الْجِسْمِ وَالسَّرَيَانِيُّ كَحُلُولِ الصُّورَةِ فِي الْهَيُولَىوَالْجِوَارِيُّ كَحُلُولِ الْمَاءِ فِي الْكُوزِوَاللهُ يَجِلُّ عَنِ الْحُلُولِ وَالْأُفُولِوَالْمَعْلُومُ وَالْمَجْهُولُ حَدَّانِ كَالْبُطُونِ وَالظُّهُورِ وَالدَّلِيلُ وَالْمَدْلُولُ فَالدَّلِيلُ: الْمُرْشِدُ وَمَا يَقُومُ بِهِ الْإِرْشَادُ وَالْمَدْلُولُ: اِسْمُ مَفْعُولٍ، مَا يَلْزَمُ الْعِلْمُ بِهِ مِنَ الْعِلْمِ بِشَيْءٍ آخَرَ وَالْعَلَاقَةُ بَيْنَهُمَا كَدَلَالَةِ النُّورِ عَلَى الْمُنِيرِوَإِنَّ مَا أَوْرَدْتُهُ هُنَا لِكَيْ أُبَيِّنَ لِلْقَارِئِ فِكْرَ الدَّرْوِيشِ
5بِالرُّقْعَةِ: أَيْ بِالْقِطْعَةِ الَّتِي يُكْتَبُ عَلَيْهَا، وَقِطْعَةِ النَّسِيجِ يُسَدُّ بِهَا خَرْقُ الثَّوْبِ عِنْدَ رَقْعِهِ وَالرَّقِيعُ: السَّمَاءُ، وَفِي الْحَدِيثِ: لَقَدْ حَكَمْتَ بِحُكْمِ اللهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعَةِ أَرْقِعَةٍ، وَهِيَ السَّمَاوَاتُ لِأَنَّ كُلَّ طَبَقٍ رَقِيعٌ لِلْآخَرِ، وَهَذَا الرَّقِيعُ مُشَاهَدٌ مَعْلُومٌ
6وَتُخْتَمُ بِالْخَوَاتِمِ: الشَّيْءُ بَلَغَ آخِرَهُ، وَمِنْهُ فِي سُورَةِ الْمُطَفِّفِينَ: ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ * خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾، وَجَعَلَهُمْ فِي الْخِنْصِرِ لَا فِي الْبَاهِمِ، فَالْخِنْصِرُ الْإِصْبَعُ الصُّغْرَى أَوِ الْوُسْطَى وَهَذَا الْأَمْرُ مِمَّا تُعْقَدُ عَلَيْهِ الْخَنَاصِرُ، أَيْ مِمَّا يُعْتَبَرُ وَيُحْتَفَظُ بِهِ إِذًا النَّهَايَةُ تَكُونُ فِي الْخِنْصِرِ لَا فِي الْبَاهِمِ، لِأَنَّ الْبَاهِمَ أَكْبَرُ الْأَصَابِعِ وَهُوَ أُمُّ الْكَفِّ، وَالْإِبْهَامُ مَصْدَرُ أَبْهَمَ لِأَنَّ الْخَلْقَ الْمَنْكُوسَ أُبْهِمُوا عَنْ مَعْرِفَتِهَا وَخَفِيَ أَمْرُهَا الْجَلِيُّ، وَفِي الْخِنْصِرِ يَكُونُ الْخَاتَمُ، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى عَهْدِ اللهِ وَمَعْرِفَتِهِ، وَلَا يَعْرِفُ اللهَ حَقَّ مَعرِفَتِهِ إِلَّا مَنْ عَرَفَ مُحْسِنًا بِالنُّورَانِيَّةِ، وَأَنَّ بِهِ خَتْمَ أَشْخَاصِ الْمِيمِ الْجَلِيُّ أَيْضًا وَيُشَارُ إِلَى نَظْرَتِهِ فِي لَيْلَةِ السِّرَارِ وَهُوَ الْخَاتَمُ
7الْعَقِيقُ: خَرَزٌ أَحْمَرُ بِالْيَمَنِ وَهُوَ حَجَرٌ تُعْمَلُ مِنْهُ الْفُصُوصُ وَقَوْلُهُ: فِي مُنْتَصَفِ الطَّرِيقِ أَيِ الْوَسَطُ
8الْمَسْجِدَانِ الْأَقْصَى وَالْأَدْنَى مَعْلُومَانِ، الْأَقْصَى بِالْقُدْسِ، وَالْأَدْنَى بِمَكَّةَ، وَيُعَبَّرُ بِهِمَا عَنِ الْمَظْهَرَيْنِ
9وَتَوَارَى بِحَيْثُ يُرَى: أَيْ مِنْ مَوْضِعِ الْغَيْبَةِ تَجْدِيدُ الظُّهُورِ
10َمَنَا بِالْعَرَبِيَّةِ وَنَادَانَا بِالْفَارِسِيَّةِ: الْكَلَامُ عَنَى بِهِ الْقُرْبَ وَهُوَ الْحِجَابُ الْعَرَبِيُّ، وَالْمُنَادَاةُ عَنَى بِهَا الْحِجَابَ الْفَارِسِيَّ وَهُوَ الْبُعْدُ لِأَنَّ الْكَلَامَ لِلْقَرِيبِ الْحَاضِرِ وَالْمُنَادَاةَ لِلْبَعِيدِ الْغَائِبِ
11دَمْدَمَ: أَيْ كَلَّمَهُ بِغَضَبٍ، وَهَذَا هُوَ لُغَةُ الْعُجَّامِ غَيْرُ الْمَفْهُومَةِ لِأَنَّهَا لُغَةُ قَهْرٍ ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ وَجَاءَتْ وَلَدَتْهُ غُلَامٌ فِي نُسْخَةٍ: وُلِدَ لَهُ غُلَامٌ
12الدَّايَاتُ: أَوَّلُ مَنْ يَحْضُرْنَ الْوِلَادَةَ
13النِّطْعُ: بِسَاطٌ مِنَ الْأَدِيمِ
الصفحة 44 من 49