مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

بَسَاتِينُ الدَرْوِيش - الشَّيْخِ مُحَمَّد الدَّرْوِيشِ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 43 من 49

وَلَّى وَهَرْوَلَ بَعْدَ أَنْ بَسْمَلَ(1) وَحَوْقَلَ(2) فَابْتَهَجْتُ بِمِرْآهُ وَاغْتَبَطْتُ بِمُلْتَقَاهُ(3) وَمَعَهُ جَارِيَةٌ تَزَوَّجَهَا بِالبَادِيَةِ(4) فَقُلْتُ لَهُ مَا هِيَةٌ وَأُمُّهَا نَارٌ حَامِيَةٌ فَقَالَ لِي هِيَ ابْنَتِي وَفِي الحِكْمَةِ زَوْجَتِي(5) دَخَلَتْ بِهَا بِلَادَ العَرَبِ لِالتِمَاسِ بَعْضِ الأَرَبِ(6) فَنَادَى الأَوْسَ وَالخَزْرَجَ(7) لِتَخْرُجَ وَتَتَفَرَّجَ فَاللهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى وَاسْتَمْسِكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقَى.

قَالَ أَفْرِيدُونُ: فَالتَقَطْتُ مِنْهُ مَا التَقَطْتُ وَسَقَطْتُ بِهِ عَلَى مَنْ سَقَطْتُ أَسْأَلُهُ يُثْبِتُ قَدَمِي وَيَهُشُّ بِعَصَاهُ عَلَى غَنَمِي فَشَارَ إِلَيَّ بِلَوَاهُ وَأَنْشَدَنِي أَنْ أَسُوقَ الشَّاهَ:

لِأَوَّلِ الأُسْبُوعِ قَبْلُ أَوْ بَعْدُ

حُمْرُ غَرَابِيبُ بِيضُهَا مِنْ أَسْوَدِ(8)

فَكَمْ حِبَانِي طَيْلَسَانِ أَبْيَضِ

مَقْدُودِ مَنْضُودِ مُتَأَوِّدِ(9)

٢٣١

طَامُ وَطَمْطَامُ وَطَامِ فَطْمَا

بِصَمْصَمَحٍ وَتَرَحْرَحٍ كَمْ يُعْقَدُ(10)

وَكَمْ غَشَتْنَا بَعْضُ ظُلُمَاتٍ لَهُ

بَعْضٌ لِبَعْضٍ فَوقَ بَعْضٍ فِي يَدِ

قَالَ أَفْرِيدُونُ: فَلَمَّا عَزَمَ المُمِيرُ بِالاقَامَةِ تَأَهَّبَ الرَّحِيلَ إِلَى تِهَامَةَ وَخَرَجَ مِنْ فَيَافِيهَا(11) بِمَالٍ وَأَفْرَغَهُ فِي بَعْضِ الرِّحَالِ لِأَنَّهُ أَنْكَرَ النَّكِرَاتِ وَلَا يُطْلَقُ عَلَى جَمِيعِ المَوْجُودَاتِ وَأَهْرَقَ ثُمَالَةَ(12) الكَأْسِ وَأَخَذَ فِي يَدِهِ الجَامَ(13) وَالطَّاسَ(14) وَدَارَ عَلَى أَحْبَابِهِ اللَّبَنِ الرَّخِيصِ(15) الثَّمَنِ فَعَجِبَ النَّاسُ مِنِ افْتِنَانِهِ وَعُلُومِهِ وَافْتِنَانِهِ حَتَّى إِذَا وَقَفَ بِالبَابِ أَسْدَلَ عَلَيْهِ النِّقَابَ(16) وَقَالَ يَا أُولِي الأَلْبَابِ إِنَّ

الهوامش

1بَسْمَلَ: قَالَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَبِهَا يَبْدَأُ الْوُجُودُ فِي الظُّهُورِ لِإِتْمَامِ التِّسْعَةَ عَشَرَ، وَمِنْ ثَمَّ يَبْدَأُ فِي الِانْقِضَاضِ
2حَوْقَلَ: قَالَ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ وَهِيَ كَمَالُ الْوُجُودِ بِعَدَدِ حُرُوفِهَا الثَّلَاثِينَ، وَهِيَ الِاسْمُ الْأَعْظَمُ وَبِهِ الْحَوْلُ وَالْقُوَّةُ
3فَابْتَهَجَتْ بِمَرْآهُ وَاغْتَبَطَتْ بِمُلْتَقَاهُ: أَيْ اِسْتَبْشَرَتْ بِرُؤْيَتِهِ وَسُرَّتْ بِلُقْيَاهُ، وَهُنَا يُعَبِّرُ عَنِ الْمُقَابَلَةِ وَجْهًا لِوَجْهٍ بَعْدَ الرُّؤْيَةِ لِأَنَّ الرُّؤْيَةَ أَوَّلًا ثُمَّ الْمُقَابَلَةُ
4الْبَادِيَةُ: الصَّحْرَاءُ، وَقَوْلُهُ مَا هِيَهْ اسْتِفْهَامٌ عَنْ حَالِهَا، وَأُمُّهَا نَارٌ حَامِيَةٌ، فَالْأُمُّ هُنَا يَعْنِي الْأَصْلَ، أُمُّ الشَّيْءِ أَيْ أَصْلُهُ، وَأَصْلُ هَذِهِ الْجَارِيَةِ نَارٌ حَامِيَةٌ، وَهِيَ النَّارُ الْهَائِلَةُ الْمُتَقَبِّلَةُ الْقَرَابِينَ، فَالْجَارِيَةُ عَنَى بِهَا الصِّفَةَ، وَتَزَوُّجُهَا بِالْبَادِيَةِ، فَالزَّوَاجُ هُوَ الِاقْتِرَانُ وَالِاجْتِمَاعُ بِهَذِهِ الْبَادِيَةِ الَّتِي هِيَ الْبِدَايَةُ، أَوْ أَرَادَ بِهَا الْحَظِيرَةَوَقَوْلُهُ هِيَ بِنْتِي: أَيْ بِنْتِي بِحَذْفِ الْأَلِفِ، يُقَالُ بِنْتٌ وَلَا يُقَالُ اِبْنَتٌ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ بِنْتُ أَيْ بِنْتُ الشَّيْءِ أَيْ أَوْضَحْتُهُ وَعَرَّفْتُهُ بَيِّنًا وَلَوْلَاهَا لَمْ يُعْرَفْ، وَهِيَ فِي مَقَامِ الصِّفَةِ وَقِيلَ إِنَّ بَيْنَ الصِّفَةِ وَالْمَوْصُوفِ حَدًّا إِذَا كَانَ الْمَوْصُوفُ مُتَعَرِّفًا بِصِفَتِهِ إِلَى مَنْ يَصِفُهُ بِهَا، وَهِيَ هُنَا فِي مَقَامِ الزَّوْجِيَّةِ، لِذ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ صِفَةِ الْحَكِيمِ أَنْ يُكَلِّمَ النَّاسَ أَوْ يَتَجَلَّى لَهُمْ بِغَيْرِ مَشَاهِدِهِمْ وَكَذَلِكَ يُقَالُ بِنْتِي بِمَعْنَى كَلِمَتِي كَمَا يُقَالُ بِنْتُ شَفَةٍ، وَتَأْتِي بِمَعْنَى مُفَارَقَةِ الشَّيْءِ كَمَا يُقَالُ كُنْتُ فَبِنْتُ أَيْ صَارَتْ بِنْتِي وَالْبِنْتُ لَا تَحِلُّ، وَيُرِيدُ بِذَلِكَ طَلَاقَهَاَلِكَ قَالَ فِي الْحِكْمَةِ زَوْجَتِي
5قَوْلُهُ دَخَلْتُ بِهَا بِلَادَ الْعَرَبِ: أَيِ الْمَظْهَرُ الْعَرَبِيُّ، وَالْأَرَبُ: الْحَاجَةُ
6وَأَلْوَتِ الْحُسْنَ عَنْ أَبْيَاتِ فَارِسِهَا، إِلَى لُؤَيٍّ فَعَادَ الْحُسْنُ فِي الْعَرَبِ
7الأَوْسُ: قَبِيلَةٌ عَرَبِيَّةٌ سَكَنَتِ الْمَدِينَةَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَمِنْهَا أُسَرٌ يَهُودِيَّةٌ اعْتَنَقَتِ الْإِسْلَامَ بَعْدَ ظُهُورِهِ وَسَيِّدُ الْأَوْسِ هُوَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ وَهُوَ مُنَبَّأٌ وَالْخَزْرَجُ: قَبِيلَةٌ يَمَنِيَّةٌ، هِيَ وَالْأَوْسُ مِنْ أَصْلٍ وَاحِدٍ، رَحَلَتْ بَعْدَ تَصَدُّعِ سَدِّ مَأْرِبَ مِنْ جَنُوبِ الْجَزِيرَةِ الْعَرَبِيَّةِ إِلَى إِقْلِيمِ الْمَدِينَةِ، نَاصَرَتِ النَّبِيَّ عَلَى قُرَيْشٍ، وَسَيِّدُ هَذِهِ الْقَبِيلَةِ هُوَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَهُوَ أَحَدُ أَشْخَاصِ أَحْرُفِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
8غَرَابِيبُ: أَيْ حَالِكٌ كَمَا يُقَالُ أَصْفَرُ فَاقِعٌ وَأَبْيَضُ يَقَقٌ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾
9مَقْدُودٌ: مَقْطُوعٌ ﴿فَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ﴾ مَنْضُودٌ: نُضِدَ الْمَتَاعُ جُعِلَ بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍمُتَأَوِّدٌ: أَيْ مُنْحَنٍ وَمُنْعَطِفٌ
10طَمْطَامٌ: وَسَطُ الْبَحْرِطَمَا: بِمَعْنَى ارْتَفَعَ وَمَلَأَ النَّهْرَالصِّمْصِمُ الصَّمْصَامُ: يُقَالُ لَهُ الرَّجُلُ الشَّدِيدُ، وَيُقَالُ لَهُ الْأَصْلَعُ وَالْمَخْلُوقُ الرَّأْسِالرَّحْرَاحُ: الْوَاسِعُ الْمُنْبَسِطُ الرَّقِيقُ، وَكُلُّ مَا مَضَى وَاضِحَةٌ مَعَانِيهِوَقَوْلُهُ "فَوْقَ بَعْضٍ فِي يَدٍ": يُرِيدُ فِي هَذِهِ الْيَدِ جُمِعَتِ الثَّلَاثُ: الذَّاتِيُّ وَالْمِثْلِيُّ وَالِامْتِزَاجِيُّ، لِذَلِكَ قَالَ فَوْقَ بَعْضٍ
11فَيَافٍ: المَكَانُ المُسْتَوِي أَوْ المَفَازَةُ لَا مَاءَ فِيهَا، وَالمُمِيرُ رَحَلَ إِلَى تِهَامَةَ أَيْ انْتَقَلَ وَظَهَرَ بِهَذِهِ الأَرَاضِي، وَتِهَامَةُ هِيَ أَرَاضِي السَّهْلِ السَّاحِلِيِّ المُمْتَدِّ مِنْ شِبْهِ جَزِيرَةِ سِينَاءَ شَمَالًا إِلَى أَطْرَافِ اليَمَنِ جَنُوبًا، وَفِيهَا مُدُنُ نَجْرَانَ وَمَكَّةَ وَجُدَّةَ وَصَنْعَاءَ وَقَوْلُهُ بِمَالٍ أَرَادَ بِهَذَا المَالِ هُوَ العِلْمُ الَّذِي أَفْرَغَهُ فِي بَعْضِ الرِّحَالِ دُونَ بَعْضٍ، لِأَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ العِلْمِ يُطَاقُ، لِذَلِكَ قَالَ عَنْهُ أَنْكَرُ النَّكِرَاتِ لِأَنَّهُ غَرِيبٌ عَلَى العُقُولِ، وَالنَّكِرَةُ خِلَافُ المَعْرِفَةِ وَلَا يُطْلَقُ عَلَى جَمِيعِ المَوْجُودَاتِ لَعَلَّهُ يُرِيدُ: وَلَا يُوصَفُ بِهِ كُلُّ المَوْجُودَاتِ بَلْ بَعْضٌ دُونَ بَعْضٍ، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾، كَمِثْلِ أَنْ نَقُولَ: النُّورُ نَظْرَةُ الِاسْمِ، وَالضِّيَاءُ نَظْرَةُ البَابِ، وَالظِّلُّ نَظْرَةُ اليَتِيمِ، هَذِهِ النَّظَرَاتُ لَا تُطْلَقُ إِلَّا عَلَى الِاسْمِ وَالبَابِ وَاليَتِيمِ، وَهَذِهِ هِيَ الرِّحَالُ الَّتِي أُفْرِغَ بِهَا هَذَا المَالُ
12ثُمَالَةُ الكَأْسِ: أَيْ بَقِيَّةُ الشَّرَابِ فِي أَسْفَلِهِ
13الجَامُ: إِنَاءٌ مِنْ فِضَّةٍ مِنْ كَأْسٍ وَمَشْرَبَةٍ
14الطَّاسُ: الإِنَاءُ يُشْرَبُ فِيهِ، وَالطَّوَاسُ مِنْ لَيَالِي المُحَاقِ، وَالطَّوْسُ القَمَرُ
15يصُ: ضِدُّ الغَالِي، وَقِيلَ النَّاعِمُ وَاللَّيِّنُ، وَهُنَا يُرِيدُ بِالرَّخِيصِ السُّهُولَةَ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا عُسْرٌ وَلَا غَلَاءٌ، وَهُوَ مَعْرُوفٌ عِنْدَ الجَمِيعِ سَهْلُ التَّنَاوُلِ، وَهُوَ العَذْبُ لَا المَالِحُ
16أَسْدَلَ النِّقَابَ: أَرْخَى القِنَاعَ، وَهُوَ مَا تَسْتَتِرُ المَرْأَةُ بِهِ وَجْهَهَا، وَقَوْلُهُ: وَقَفَ بِالبَابِ، تَمَثَّلَ بِنَظْرَةِ البَابِ، وَهَذَا هُوَ الرِّزْقُ الَّذِي قَالَ اللهُ فِيهِ: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ وَقَوْلُهُ: فَآتِ يَا أَفْرِيدُونُ بِآيَةٍ مِثْلِ هَذَا، فَأَفْرِيدُونُ هُوَ الِاسْمُ، لَا يَتَمَثَّلُ بِالبَابِ وَإِنَّمَا يَظْهَرُ بِالبَابِ لَا كَالْبَابِ عِنْدَ ذَوِي الأَلْبَابِ، لِذَلِكَ قَالَ: قَدْ جَاءَنِي المُمِيرُ أَيْ أَعْطَانِي وَمَنَحَنِي فِي أَمْثَالٍ مِنْ تَصَانِيفِ الأَفْعَالِ، وَهُوَ الظُّهُورُ كَمِثْلِهِ، فَيَنْطِقُ الِاسْمُ بِمَا لَا يَنْطِقُ بِهِ مِنْ قَبْلُ وَكَذَلِكَ الِاسْمُ يَظْهَرُ بِالبَابِ فَيَنْطِقُ بِمَا لَا يَنْطِقُ بِهِ مِنْ قَبْلُ
الصفحة 43 من 49