مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

بَسَاتِينُ الدَرْوِيش - الشَّيْخِ مُحَمَّد الدَّرْوِيشِ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 35 من 49

السَّمَاءُ اعْرَضْ بِالقَضَاءِ إِلَى أَنْ فَرَغْتَ مِنْ تَوْصِيَتِهِ أَخَذْتُ بِنَاصِيَتِهِ وَقَالَ لِي ارْفَعِ الغِشَا(1) وَلَكَ عِنْدَنَا مَا تَشَا وَادْخُلِ البُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَكُنْ مِنْ أَهْلِهَا وَأَرْبَابِهَا وَقُمْ فِي اللَّيْلِ إِلَى السَّوَادِ بَعْدَ أَنْ تَدْلُوَ بِمَعْرُوشِ الغَمَادِ(2) وَانْتَظِرْ هَذَا الطَّعَامَ وَابْتَدَرَنِي بِالسَّلَامِ وَابْتَهَجَ ابْتِهَاجَ القَمَرِ وَانْسَ مَا مَرَّ بِكَ مِنْ تَبَارِيحِ(3) السَّفَرِ وَنَاوِلْنِي مِنَ الأَلْوَانِ بَيْضَا فِي زُجَاجَةٍ سَوْدَا وَقَالَ لِي مَا أَحْسَنَ الحَالَ فِي هَذَا الآلِ(4) وَلَابُدَّ مِنِ اجْتِمَاعِ الشَّمْلِ فِي هَذَا الرَّحْلِ. قَالَ أَفْرِيدُونَ: فَتَأَهَّبْنَا لِلرَّحِيلِ وَوَدَّعْنَا أَبْنَاءَ السَّبِيلِ وَأَخَذَ الْمُمَيِّرُ مَا لَهُ مِنَ الأَسْبَابِ وَرَفَعَ رُقْعَتَهُ مِنَ البَابِ فَارْتَفَعَتْ عَنْهُ الأَمْثَالُ وَالأَعْدَادُ مُذْ حَلَّ فِي شَوَارِعِ بَغْدَادَ فَجَعَلَ يَخْتَرِقُ الجَمْعَ وَنَسْتَرِقُ مِنْهُ السَّمْعَ وَإِذَا هُوَ قَدْ بَسَطَ ذِرَاعَيْهِ وَأَخَذَ مَعَهُ ذَرَارِيَهُ حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ رُوحُهُ التَّرَاقِي(5) فَقُلْتُ لَهُ: سُبْحَانَ الحَيِّ البَاقِي فَأَخَذَتِ القَوْمَ عَلَيْهِ الشَّفَقَةُ وَقَالُوا لِي: خُذْ لَهُ هَذِهِ النَّفَقَةَ فَإِنْ مَاتَ لِلتَّجْهِيزِ(6) وَإِنْ عَاشَ فَلِلصَّدَقَةِ وَهَذَا الْمَدِيحُ الْمَكْتُوبُ فِي الحُبِّ وَالمَحْبُوبِ:

بَانَتْ فَبَانَتْ نُورُ أَنْوَارِ الدُّجَى

وَالعُمْرُ وَلَّى وَانْقَضَى وَعَرَّجَا

لَوْ ارْتَشَا مِنَ الرَّشَا فَمَا رَشَا

لَوْ اقْتَبَلْ لَوْ اشْتَمَلْ لَوْ أَخْرَجَا(7)

لَوْ التَثمَّ فِي جُلَّنَارِ خِمَارِه

لَوْ اقْتَبَسْ لَوْ احْتَبَسْ لَوْ انْضَجَا(8)

كَمْ أَشْمَطٍ وَعَنْطَنِطٍ بِدَلَّتِه

كَمْ أَعْوَرٍ كَمْ أَصْفَرٍ كَمْ أَعْرَجَا(9)

حَكَى أَفْرِيدُونُ أَنَّ المُمِيرَ: نَزَلَ فِي وَادِي بَنِي صَوْحَانَ وَأَخْبَرُوهُ عَنْ عُلُوجِ بَنِي شَيْبَانَ(10) وَلَمْ يَزَلْ عِنْدَهُمْ فِي أَطْيَبِ جَرْعَةٍ وَحَيَّةِ التَّثْلِيثِ(11) مَنْ خَلْفَهُ تَسْعَى حَتَّى لَجَّتِ السَّنَةُ وَتَلَجْلَجَتِ الأَلْسِنَةُ وَمَا زَلْنَا مَعَهُ نَتَرَادَفُ مَرَّهُ وَنَتَعَاقَبُ أُخْرَى حَتَّى أَتَيْنَا الحِلَّةَ وَالبَصْرَى(12) فَقَالَ لِي المُمِيرُ لَا تَعَرِّضْ نَفْسَكَ لِلْهَلَكَةِ وَلَوْ كُنْتَ مِنْ أَكَابِرِ مَكَّةَ بِرِضْرَاضِ (13) هَذِهِ البَادِيَةِ وَلَوْ كُنْتَ صَعْصَعَةَ بْنَ

الهوامش

1رَفْعُ الغِشَا: أَي رَفْعُ السِّتْرِ
2مَعْرُوشُ الغَمَادِ: يُقَالُ لَهُ بُرْكُ الغَمَادِ مَوْضِعٌ أَوْ هُوَ أَقْصَى مَعْمُورِ الأَرْضِ، وَالعُرُوشُ بُيُوتُ مَكَّةَ
3تَبَارِيحُ السَّفَرِ: شِدَّةُ السَّفَرِ وَعَنَاؤُهُ وَهَذَا السَّفَرُ وَالتَّعَبُ مَا هُوَ إِلَّا التَّخَلُّصُ مِنَ الهَيْئَاتِ الحِسِّيَّةِ وَبَعْدَ ذَلِكَ ابْتَدَأَ بِأَخْذِ مَا تَشْتَهِي الأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ مِنَ الخَمْرِ وَالأَلْبَانِ فِي دَارِ الجِنَانِ مِنْ سُلَافَةِ أَي خَمْرَةٍ خَالِصَةٍ فِي زُجَاجَةٍ سَوْدَاءَ وَقَدِ ارْتَاحَ فِي هَذِهِ الحَالِ
4الآلُ: القَرَابَةُ وَالأَصْلُ الجَيِّدُ وَالمَعْدِنُ وَالوَحْيُ وَاسْمُ اللهِ تَعَالَى بِالعِبْرَانِيَّةِ وَمَعْنَى ذَلِكَ يُشِيرُ إِلَى هَذَا الآلِ الَّذِي بِهِ الحَالُ وَعَنَى لُبْسَ الهَيَاكِلِ النُّورَانِيَّةِ الَّذِي لَا تَعَبَ بِهَا وَلَا عَنَاءَ وَهَذَا أَصْلُهَا وَفِي هَذَا يَتِمُّ اجْتِمَاعُ الشَّمْلِ شَمْلِ الْمُؤْمِنِينَ فِي حَظِيرَةِ القُدْسِ وَهِيَ الرَّحْلُ وَهُوَ الكَهْفُ
5التَّرَاقِي: مُقَدَّمُ الحَلْقِ فِي أَعْلَى الصَّدْرِ وَهُنَا نِهَايَةُ الشَّيْءِ
6جَهَّزَ الشَّيْءَ هَيَّأَهُ وَالمَيِّتَ أَعَدَّ مَا يَلْزَمُهُ فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ وَالصَّدَقَةُ عَطِيَّةٌ يُرَادُ بِهَا الْمَثُوبَةُ لَا الْمَكْرُمَةُ لِأَنَّ العَبْدَ يَظْهَرُ بِهَا صِدْقَ العُبُودِيَّةِ
7ارْتَشَا مِنَ الرَّشَا: أَخْذُ الرَّشْوَةِ يُقَالُ رَشَاهُ فَارْتَشَى وَالرَّشَا كَوَاكِبُ كَثِيرَةٌ يُقَالُ لَهَا بَطْنُ الحُوتِ وَفِي سِرِّهَا كَوْكَبٌ نَيِّرٌ يُزِيلُهُ القَمَرُ آخِرَ لَيْلَةٍ مِنَ الشَّهْرِ: يَعْنِي لَوْ نَزَلَ فَمَا رَشَا أَي أَخَذَ مِنْهُمْ بَلْ هُمْ يَأْخُذُونَ
8جُلَّنَارٌ: زَهْرُ الرُّمَّانِ وَيُشِيرُ هُنَا إِلَى الِاحْمِرَارِ وَاقْتَبَسَ مِنَ النَّارِ بِمَعْنَى اتَّخَذَ ضَوْءَاً وَاقْتَبَسَ فُلَانٌ عِلْمَاً اسْتَفَادَهُ وَقَوْلُهُ لَوْ احْتَبَسَ: وَلَوْ وَقَفَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَجَاءَ فِي "المِصْرِيَّةِ": احْبِسْ نَفْسِي فَأَحْبِسَهُ وَالإِنْضَاجُ هُوَ الإِحْكَامُ وَالبُلُوغُ يَقُولُونَ نَضِجَ الثَّمَرُ أَدْرَكَ وَطَابَ أَكْلُهُ
9الأَشْمَطُ مَنْ خَالَطَ بَيَاضُ رَأْسِهِ سَوَادَاً وَالعَنْطَنِطُ الطَّوِيلُ وَفِي هَذَا البَيْتِ يُشِيرُ إِلَى أَصْحَابِ العَاهَاتِ المَذْمُومَةِ
10وَادِي بَنِي صُوحَان: فَالْوَادِي مُنْفَرِجٌ بَيْنَ جِبَالٍ أَوْ تِلَالٍ، وَعَلَى هَذَا فَصَعْصَعَةُ يُتِمُّ وَوَادِيهِ مَعْرُوفٌ، وَبَنُو هَذَا الْوَادِي مَعْرُوفِينَ، وَبَنُو شَيْبَانَ إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْقَبَائِلِ الْأَرْبَعِ وَهُمْ عَرَبُ الْعِرَاقِ وَلَفْظَةُ الْعُلُوجِ لَهَا مَعَانٍ، مِنْهَا الرَّسُولُ وَمِنْهَا الْكَافِرُ وَأَيْضاً يُقَالُ: هَذَا عُلُوجُ صِدْقٍ، مُحِيطُ الْمُحِيطِ، وَهُنَا يُشِيرُ إِلَى النَّفَرِ الَّذِينَ دَخَلُوا عَلَى صَعْصَعَةَ وَقَالُوا لَهُ: يَا صَعْصَعَةُ صِفْ لَنَا صِفَاتِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ -عَزَّ عَزُّهُ- إِلَخْ
11فِي أَطْيَبِ جُرْعَةٍ: فِي أَطْيَبِ حَسْوَةٍ مِنَ الْمَاءِ وَحَيَّةُ التَّثْلِيثِ كَوَاكِبُ مَا بَيْنَ الْفَرْقَدَيْنِ وَبَنَاتِ نَعْشٍ وَالتَّثْلِيثُ مَعْرُوفٌ عِنْدَ النَّصَارَى: وُجُودُ اللهِ فِي ثَلَاثَةِ أَقَانِيمَ، وَيُقَابِلُهُ الْمُوَحِّدُونَ وَالسَّعْيُ عِنْدَ الْمُوَحِّدِينَ مَعْرُوفٌ، وَكَذَلِكَ الْحَيَّةُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿أَلْقِهَا يَا مُوسَىٰ * فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ﴾ جَاءَ ذِكْرُ الْحَيَّةِ عَلَى أَنَّهَا مِنْ أَسْمَاءِ الْبَابِ مِنْ كُتُبِ أَهْلِ التوحيد، وَلَعَلَّ الْإِشَارَةَ هُنَا إِلَى الْحَيَّةِ بِالشَّهْرِ وَقَوْلُهُحَتَّى لَجَبِ السَّنَةِ أَيْ: دَخَلَتْ وَتَلَجْلَجَتْ تَرَدَّدَتْ فِي الْكَلَامِ، فَالسَّنَةُ مَجْمُوعُ الْأَشْهُرِ الِاثْنَيْ عَشَرَ وَتَلَجْلُجُهَا تَحَرُّكُهَا بِالظُّهُورِ وَتَلَجْلَجَتِ الْأَلْسِنَةُ: تَرَدَّدَتْ فِي الْكَلَامِ، أَيْ: تَسَاءَلَتْ عَنْ هَذِهِ السَّنَةِ بِالِاسْتِفْهَامِ عَنْ حَالِهَا وَهَذَا مَا يَحْدُثُ فِي كُلِّ شَهْرٍ
12الحِلَّةُ وَالبَصْرَةُ: مَكَانَانِ فِي العِرَاقِ وَهُمَا فِي ظَاهِرِ الأَمْرِ مَرْكَزَانِ لِلْعِلْمِ وَكَانَ بَعْضُ العُلَمَاءِ يُنْسَبُ إِلَيْهِمَا فَيُقَالُ البَصْرِيُّ وَالحِلِّيُّ
13الرَّضْرَاضُ: الحَصَى وَصِغَارُهَا وَالأَرْضُ المُرَضْرَضَةُ بِحِجَارَتِهَا
الصفحة 35 من 49