نَتَلَاقَطُ(1) حَتَّى صَغَتِ الشَّمْسُ(2) نَحْوَ المَغْرِبَانِ أَوْ كَادَتْ تَلْبَسُ حُلَّةَ الأُرْجُوانِ تِلْكَ العُرْضُ(3) حَتَّى غَشَتْنَا ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ فَقَالَ لِي الْمُمَيِّرُ: هَلُمَّ بِالرَّحْبِ وَالسَّعَةِ وَاسْتَقْبَلَ القَوْمَ بِالكَرَامَةِ وَالدَّعَةِ(4) وَأَوْضَعَ لَهُمُ الجِفَانَ(5) وَعَصَفَرَهَا بِالأَلْوَانِ وَأَبَيْتَ اللَّيْلَةَ فِي الغَوْرِ(6) أَوْ فِي بَابٍ لَهُ سُورٌ وَخُذْ عَنِّي مَا أُلْقِيهِ إِلَيْكَ وَاللهُ خَلِيفَتِي عَلَيْكَ فَلَا بُدَّ مَا أَذُوقُ فَقَدَكَ إِنْ أَحْيَانِي اللهُ بَعْدَكَ وَدَعْنَا نَعْتَكِفُ بِالطَّلَلِ وَنَتَقَرَّبُ بِالْمَلَلِ وَنَفْتَرِسُ بِاللَّيْلِ النَّهَارَ(7) حَتَّى يَتَيَسَّرَ لَنَا الفِرَارُ فَزَفْزَفْنَا(8) الدَّرْدِيسَ(9) لِلْمُقَعْنَسِيسِ(10) وَشَمَّرَتْ عَنْ سَاقِيَهَا بِلْقِيسُ وَسِرْنَا بِاللَّيْلِ كَالسَّيْلِ فَاسْتَوْقَفْتُ الْمُمَيِّرَ فَأَبَى وَقَالَ لِي: مَوْعِدُنَا شَرْخُ الصِّبَا وَجَلَسَ بَيْنَ البَوَاطِي يَأْخُذُ بِالتَّعَاطِي(11) وَاسْتَبْدَلَ القَوَافِي وَحَوَّلَ مَا فِي شِعْرِ:
نَضْنَضَ(12) مَوْلُودٌ لَهُ فَوَالِدُ | نَضْنَضَ كَمَا نَضْنَضَ بِحَيٍّ جَامِدِ | |
مِنْهُ سِرَارُ السُّورِ مَعْ سِرِّ لَهُ | مِنْ رَاكِعٍ أَوْ قَائِمٍ أَوْ سَاجِدِ
|
حَكَى أَفْرِيدُونَ: أَنَّ الْمُمَيِّرَ كَحَلَ إِحْدَى عَيْنَيْهِ وَلَبِسَ خِفَّاً بِإِحْدَى رِجْلَيْهِ فَأَخَذَ عَصَاةً بِكِلْتَا يَدَيْهِ(13) وَهُوَ يَسْبِقُنِي أَسْبَاقاً وَأَنَا أَلْحَقُهُ إِلْحَاقاً(14) حَتَّى قَضَيْنَا الأَرَبَ فِي البِطَاحِ وَتَبَلَّجَ لَنَا وَجْهُ الصَّبَاحِ(15) فَنَهَضَ الْمُمَيِّرُ وَقَالَ قُمْ يَا صَاحِ فَقُلْتُ لَهُ قَدْ مَلَكْتَنِي دَهْراً فَأَدْلِنِي(16) شَهْراً فَسَارَ بِي نَحْوَ المَغَارِبِ إِلَى أَنْ نِلْتُ مَا أَنَا طَالِبٌ حَتَّى أَشْرَفْنَا عَلَى طَلْحَةٍ طَلِيحَةٍ(17) وَغُرْفَةٍ فَسِيحَةٍ وَلَبِثْنَا بِضْعَ مِنَ اللَّيَالِي نَتَفَقَّدُ الصَّرْحَ العَالِي(18) هُنَاكَ فَذُبِحَ الكَبْشُ وَأُظْهِرَ القُوَّةُ بِالبَطْشِ وَوَجَدَ عِنْدَ الْمُمَيِّرِ فَجَاجاً(19) وَمَاءً ثَجَّاجاً وَأُنَاساً يَدْخُلُونَ أَفْوَاجاً فَلَمَّا انْشَقَّتِ




