وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مُجَالَسَةُ الْجَاهِلِ مَرَضُ الْعَاقِلِ وَإِنْ أَرَدْتَ أَنْ تُعَذِّبَ عَالِماً فاقْرِنْ بِهِ جَاهِلاً، وَقَالَ: الْعَقْلُ بِلَا أَدَبٍ كَالشُّجَاعِ بِلَا سِلَاحٍ.
وَحُكِيَ أَنَّ رَجُلاً تَكَلَّمَ بَيْنَ يَدَيِ الْمَأْمُونِ فَأَحْسَنَ فَقَالَ لَهُ: ابْنُ مَنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ: ابْنُ الْأَدَبِ، فَقَالَ: نِعْمَ النَّسَبُ انْتَسَبْتَ إِلَيْهِ. وَلِهَذَا قِيلَ: الْمَرْءُ مِنْ حَيْثُ يَثْبُتُ لَا مِنْ حَيْثُ يَنْبُتُ. وَقِيلَ: الْفَضْلُ بِالْعَقْلِ وَالْأَدَبِ لَا بِالْأَصْلِ وَالْحَسَبِ. وَقِيلَ: الْمَرْءُ بِفَضِيلَتِهِ لَا بِفَصِيلَتِهِ وَبِكَمَالِهِ لَا بِجَمَالِهِ وَبِآدَابِهِ لَا بِثِيَابِهِ.
وَقَالَ جَالِيَانُوسُ: إِنَّ ابْنَ الْوَضِيعِ إِذَا كَانَ أَدِيباً كَانَ نَقْصُ أَبِيهِ زَائِداً فِي مَنْزِلَتِهِ وَابْنَ الشَّرِيفِ إِذَا كَانَ غَيْرَ أَدِيبٍ كَانَ شَرَفُ أَبِيهِ زَائِداً فِي سُقُوطِهِ.
وَقِيلَ أَنَّ رَجُلاً قَالَ: أَنَا غَرِيبٌ، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ مَنْ حَضَرَ: الْغَرِيبُ مَنْ لَا أَدَبَ لَهُ، وَقِيلَ: إِذَا فَاتَكَ الْأَدَبُ فَالْزَمِ الصَّمْتَ فَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ الْأَدَابِ.
وَلِبَعْضِ الشُّعَرَاءِ هٰذِهِ الْأَبْيَاتِ وَقِيلَ أَنَّهُمْ لِلْإِمَامِ إِلَيْهِ مَنْحُولَاتٌ:
كُنِ ابْنَ مَنْ شِئْتَ وَاكْتَسِبْ أَدَبَاً | يُغْنِيكَ مَحْمُودُهُ عَنِ النَّسَبِ | |
إِنَّ الْفَتَى مَنْ يَقُولُ هَا أَنَا ذَا | لَيْسَ الْفَتَى مَنْ يَقُولُ كَانَ أَبِي |




