وَقَالَ: صَاحِبُ الْعَقْلِ مَغْبُوطٌ، أَيْ مَحْبُورٌ وَالْمُرُوءَةُ الْعِلْمِيَّةُ نَبْعُ الْعَقْلِ وَأَصْلُهُ التَّثَبُّتُ وَثَمْرَتُهُ السَّلَامَةُ وَاكْتِفَاؤُهُ بِالْكَفَافِ وَاكْتِسَابُهُ الْعَفَافَ وَفِقْهُهُ الدِّينُ وَعَضُدُهُ الْيَقِينُ وَلَرُبَّمَا تَقْطَعُ الشَّجَرَةُ فَتَنْبُتُ وَيَقْطَعُ اللَّحْمُ بِالسَّيْفِ فَيَدْمُلُ وَلِسَانُ الْعَاقِلِ لَا يَدْمُلُ جُرْحُهُ، وَمَنْ كَابَرَ عاقِلاً رَجَعَ قَهْقَرَى.
وَلَقَدْ أَحْسَنَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ:
ذُو الْعَقْلِ يَشْقَى بِالنَّعِيمِ بِعَقْلِهِ | وَأَخُو الْجَهَالَةِ فِي الشَّقَاوَةِ يَنْعَمُ
|
وَمِنْ كَلَامِ أَرِسْطُوطَالِيسَ الْحَكِيمِ -عَزَّ عَزُّهُ- أَنَّهُ قَالَ: إِذَا قَوِيَ عَقْلُ الْمَرْءِ كَثُرَ يَقِينُهُ وَإِذَا ضَعُفَ يَقِينُهُ كَثُرَ شَكُّهُ. وَقَالَ: غَضَبُ الْجَاهِلِ قَوْلُهُ وَغَضَبُ الْعَاقِلِ فِعْلُهُ. وَقَالَ: مَنْ أَطَاعَ غَضَبَهُ أَضَاعَ أَدَبَهُ. وَقَالَ: ظَنُّ الْعَاقِلِ وَلَا يَقِينُ الْجَاهِلِ وَقَالَ: إِنَّ صُورَةَ الْإِنْسَانِ الْعَقْلُ فَحَسِّنْ عَقْلَكَ كَيْفَ شِئْتَ.
وَقَالَ سُقْرَاطُ -مِنْهُ السَّلَامُ- : الْعَقْلُ بِلَا أَدَبٍ كَالشَّجَرَةِ الْعَاقِرِ بِلَا ثَمَرٍ. وَقَالَ: الْعَقْلُ إِذَا فَسَدَ كَالْجَوْهَرِ إِذَا انْكَسَرَ. وَقَالَ: الْعَاقِلُ مَنْ عَقَلَ لِسَانَهُ وَالْجَاهِلُ مَنْ جَهِلَ قَدْرَهُ. وَقَالَ: إِعْجَابُ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ دَلِيلٌ عَلَى ضَعْفِ عَقْلِهِ. وَقَالَ: الصَّبْرُ قُوَّةٌ مِنْ قُوَى الْعَقْلِ وَبِقَدْرِ مَوَادِّ الصَّبْرِ يَقْوَى الْعَقْلُ كَمَا قُلْتُ فِي ذَلِكَ شِعْراً:
اعْلَمْ وَعَلِّمْ مَنْ عَقَلْ | الْفِقْهَ وَفَّقَهُ مَنْ عَمِلْ
| |
أُخْبِرْ وَخَبِّرْ مَنْ خَبَرْ | أَخْبِرْ بِأَخْبَارِ الرُّسُلْ | |
افْهَمْ وَفَهِّمْ هَلْ أَتَى | حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ قَبِلْ |
وَمِمَّا يُؤَيِّدُ هَذَا قَوْلُ الْجَلِيلِ فِي مُحْكَمِ التَّنْزِيلِ: ﴿مَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾(1)، يَعْنِي مِنْ عَقْلٍ وَقَوْلُهُ: ﴿أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِيبِهِ فِي النَّاسِ﴾(2) يَعْنِي الْعَقْلَ.
وَرُوِيَ أَنَّ رَجُلاً كَانَ يَحْضُرُ مَجْلِسَ مَوْلَانَا الصَّادِقِ -عَزَّ عَزُّهُ- فَفَقَدَهُ ذَاتَ يَوْمٍ فَسَأَلَ عَنْهُ فَقَالَ بَعْضُ مَنْ حَضَرَ: نَبَطِيٌّ، يُرِيدُ الْوَضْعَ مِنْهُ، فَقَالَ لَهُ مَوْلَانَا -عَزَّ عَزُّهُ- : أُسْكُتْ، أَصْلُ الرَّجُلِ عَقْلُهُ، وَحَسَبُهُ دِينُهُ، وَكَرَمُهُ تَقْوَاهُ.
وَمِمَّا رُوِيَ أَنَّ بَعْضَ الْمُلُوكِ قَالَ لِوَزِيرِهِ: مَا خَيْرُ مَا يُرْزَقُهُ الْمَرْءُ؟ قَالَ: عَقْلٌ يَعِيشُ بِهِ، قَالَ: فَإِنْ عَدِمَهُ؟ قَالَ: أَدَبٌ يَتَحَلَّى بِهِ، قَالَ: فَإِنْ عَدِمَهُ؟ قَالَ: مَالٌ يَسْتُرُهُ، قَالَ: فَإِنْ عَدِمَهُ؟ قَالَ: فَنَارٌ تَحْرِقُهُ.




