لِيُغْوِيَنَا وَيُضِلَّنَا كَيْفَ يَشَاءُ بِدُونِ أَنْ يَكُونَ بَيْنَنَا خَلِيفَةٌ لِله، وَمَقَامٌ حَاضِرٌ لَهُ مُؤَيَّدٌ بِالقُدْرَةِ وَالعِلْمِ يَدُلُّنَا عَلَى سَبِيلِهِ وَصِرَاطِهِ المُسْتَقِيمِ فَيَقْدِرُ عَلَى مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِهِ وَيَعْلَمُ مَا لَا يَعْلَمُ أَحَدٌ مِنْهُمُ، وَلَوْ تَفَكَّرَ ذُو عَقْلٍ سَلِيمٍ بِمَا قَالَهُ اللهُ فِي كِتَابِهِ العَزِيزِ عَنِ الاِمْتِحَانِ الَّذِي أَجْرَاهُ اللهَ -جَلَّ وَعَلَا- عَلَى المَلَائِكَةِ بِالسُّجُودِ لآَدَمَ وَبَعْدَمَا صَدَرَ الحُكْمُ الإِلهِيُّ عَلَى إِبْلِيسَ بِالطَّرْدِ مِنَ الجَنَّةِ وَأُوقِعَ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ، فَطَلَبَ إِبْلِيسُ النَّظْرَةَ وَأَعْطَاهُ اللهَ إِيَّاهَا، أَقْسَمَ إِبْلِيسُ بِعِزَّةِ اللهِ أَنَّهُ سَيُغْوِي الخَلْقَ بِمَا أَغْوَاهُ اللهَ وَإِثْبَاتُ ذَلِكَ قَوْلِهِ -جَلَّ وَعَلَا- : ﴿قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ * قَالَ أَنظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ إِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ * قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾(1)، وَقَوْلِهِ -عَزَّ وَجَلَّ- : ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾(2) وَمَعْلُومٌ أَنَّ الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ هُوَ مَعْرِفَةُ ظُهُورِ اللهِ لِخَلْقِهِ كَخَلْقِهِ، أَيْ مَعْرِفَةُ حِجَابِ المَجَانَسَةِ وَالمُمَاثَلَةِ الَّذِي يَحْتَجِبُ اللهُ بِهِ عَنْ خَلْقِهِ وَهُوَ أَشَدُّ حِجَابٍ احْتَجَبَ اللهُ بِهِ عَنْ خَلْقِهِ مِنَ الأَوَّلِينَ وَالآَخِرِينَ، وَقَدْ أَقْسَمَ إِبْلِيسُ عَلَى إِغْوَاءِ الخَلْقِ عَنِ الإِقْرَارِ وَالإِجَابَةِ لِدَعَوَاتِ الحَقِّ سُبْحَانَهُ مِنْ هَذَا الحِجَابِ، فَلْيَتَفَكَّرْ أُولُوا الأَلْبَابِ بِهَذَا الأَمْرِ هَلْ يَسْتَطِيعُ
1سورة الأعراف: الآية 13-16
2سورة الحجر: الآية 36




