المَنْكِرُونُ، فَالَحَقُّ -عَزَّ وَجَلَّ- لَا يُعَايَنُ مِنْ جِهَةِ ذَاتِهِ كَمَجْسَمٍ أَوْ كَمَاهِيَّةٍ أَعُوذُ بِاللهِ مِنْ قَوْلِ المُشْرِكِينَ بَلْ يُعَايَنُ مِنْ جِهَةِ عَلَامَاتِهِ وَدَلَائِلِهِ كَمَا يَقُولُ المَكْزُونُ السَّنْجَارِيُّ -قَدَّسَهُ اللَّهُ- شِعْرًا:
ظُهُورُ الحَقِّ لِلْعَالَمْ | بِالقُدْرَةِ وَالعِلْمِ | |
وَبِالعَدْلِ وَبِالإِحْسَانْ | وَالرَّأْفَةِ وَالحِلْمِ | |
وَلَمْ يُدْرِكْ عَلَا عَنْ ذَاك | بِالحَيِّزِ وَالجِسْمِ |
فَالصُّورَةُ المَرْئِيَّةُ الَّتِي هِيَ الغَايَةُ الكُلِّيَّةُ لَيْسَتْ هِيَ الصُّورَةَ الحِسِّيَّةَ الوَاقِعَةَ تَحْتَ البَصَرِ "الجِسْمِ البَشَرِيِّ أَوْ الجِرْمِ السَّمَاوِيِّ"، إِلَّا مِنْ جِهَةِ أَنَّهَا أَسْمَاءٌ لِلتَّعْرِيفِ لِيَصِحَّ العِيَانُ وَيَثْبُتَ الوُجُودُ بِالحُجَجِ الوَاضِحَةِ، وَمَنْ يَقُولُ خِلَافَ ذَلِكَ فَهُوَ مُشْرِكٌ؛ لِأَنَّ اللهَ تَجَلَّى لِعَالَمِ البَشَرِ كَالَبَشَرِ مِنْ خَلْفِ حِجَابِيَّةِ أَسْمَائِهِ المَعَانِي بِبَشَرِيَّتِهِمْ وَتَجَلَّى لِعَالَمِ النُّورِ كَالنُّورِ مِنْ خَلْفِ حِجَابِيَّةِ مَرَاتِبِهِمْ وَهُوَ جَوْهَرٌ سَاكِنٌ كَامِنٌ خَالِدٌ لَا تَلِيقُ بِهِ إِلَّا صِفَاتُ الفَضْلِ وَالكَمَالِ وَلَا تَصِحُّ مَعْرِفَةُ الصُّورَةِ النُّورَانِيَّةِ إِلَّا بَعْدَ مَعْرِفَةِ الصُّورَةِ البَشَرِيَّةِ، وَالمَعْرِفَةُ لَا تَكُونُ إِلَّا بِالمُعَايَنَةِ وَالمُشَاهَدَةِ، وَفِي هَذَا حَدِيثُ المَوْلَى الصَّادِقِ -عَزَّ عَزُّهُ- أَنَّ التَّوْحِيدَ بَيْنَ حَدَّيْنِ هُمَا التَّعْطِيلُ وَالتَّجْسِيمُ، فَالْمُوَحِّدُ لَا مُجَسِّمٌ لِلْجَوْهَرِ القَدِيمِ




