مُجَانِسَةٌ لَهُمْ فِي الظَّاهِرِ بِالصِّفَاتِ وَمُبَايِنَةٌ لَهُمْ جَوْهَرَاً بِالقُدْرَةِ، وَكَمَا قَالَ صَاحِبُ كِتَابِ التَّنْبِيهِ الحَسَنُ بْنُ حَمْزَةَ -قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ- : "إِنَّ للهِ سَبْعِينَ حِجَابَاً مِنْ نُورٍ وَظُلْمَةٍ، لَوْ كَشَفَهَا لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ نُورِ وَجْهِهِ عِبَادَهُ وَمَا أَدْرَكَهُ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِهِ".
اعْلَمُوا إِخْوَانِي المُؤْمِنِينَ يَرْحَمُكُمُ اللهَ أَنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ ظَاهِرٍ بِالوُجُودِ مِنْ خَلْفِ سَبْعِينَ حِجَابَاً مِنْ نُورٍ، وَهِيَ حُجُبُ الصِّفَاتِ الإِلهِيَّةِ، وَمِنْ ظُلْمَةٍ وَهِيَ حُجُبُ الصِّفَاتِ الكَوْنِيَّةِ، تِسْعٌ وَأَرْبَعُونَ صِفَاتٍ إِلهِيَّةً وَوَاحِدٌ وَعِشْرُونَ صِفَاتٍ كَوْنِيَّةً ظُلْمَانِيَّةً وَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ الحُجُبُ مُرْتَفِعَةً وَتَجَلَّى ذَلِكَ النُّورُ بِكَشْفِ هَذِهِ الحُجُبِ لَأَحْرَقَتْ سَطْوَةُ هَذَا النُّورِ الوَجْهِيِّ وَقُوَّةُ غَلَبَةِ سَنَاهُ الَّتِي هِيَ قُوَّةٌ سُبْحِيَّةٌ وَسَلْطَنَةٌ وَاحِدَةٌ وَجَلَالُهَا وَغَلَبُ إِطْلَاقِ جَلَالِهَا كُلَّ نِسْبَةٍ وَإِضَافَةٍ وَكَثْرَةٍ مَنْسُوبٍ إِلَيْهَا فِعْلٌ أَوْ قَبُولٌ أَوْ ٱنْفِعَالٌ يَدْرُكُهَا نُورُ بَصَرِ السَّالِكِ، فَعَنَى بِالحِجَابِ الظَّلْمِيِّ الصُّورَةَ البَشَرِيَّةَ، وَلِلْعِلْمِ نَقُولُ: إِنَّ الإِقْرَارَ بِدَيْمُومَةِ الحِجَابِ الظَّلْمِيِّ فِي الوُجُودِ لَا يَعْنِي عِبَادَةَ الظُّلْمَةِ؛ لِأَنَّنَا نُنَزِّهُ اللهَ عَنِ الصُّوَرِ كُلِّهَا، فَهِيَ لِحَاجَةِ خَلْقِهِ، وَهُوَ -عَزَّ وَجَلَّ- كَانَ قَبْلَ تَكْوِينِ المَكَانِ كَنْزَاً مَخْفِيَّاً لَا أَيْنَ يَحْصُرُهُ وَلَا كَيْفَ يُقَيِّدُهُ، فَالظُّلْمَةُ وَالنُّورُ خَلْقٌ لَهُ، فَاللَّيْلُ ظُلْمَةٌ وَهُوَ آيَةٌ مِنْ آيَاتِ اللهِ وَقَدْ ذَكَرَهُ اللهَ فِي القُرْآنِ مِرَارَاً وَأَقْسَمَ بِهِ وَأَتْبَعَهُ




