فِي قَوْلِهِ وَفِعْلِهِ وَنِيَّتِهِ حَتَّى تُشْرِقَ عَلَيْهِ النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ، وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ أَفْلَاطُونُ -عَزَّ عَزُّهُ- : إِنَّ التَّرَفَ يَفْسُدُ مِنَ النَّفْسِ بِمِقْدَارِ مَا يَصْلُحُ مِنَ العَيْشِ، وَإِنَّ الشَّدَائِدَ تُصْلِحُ مِنَ النَّفْسِ بِمِقْدَارِ مَا تَفْسُدُ مِنَ العَيْشِ، وَهَذَا هُوَ الطَّرِيقُ لِلْخُرُوجِ مِنْ كَوْنِ القُوَّةِ إِلَى كَوْنِ الفِعْلِ مِنَ الشَّهْوَةِ وَالوُقُوعِ فِي قَيْدِهَا إِلَى العَقْلِ وَالسَّيْرِ بِهَدْيِهِ، وَقَدْ أَجْمَعَ أَهْلُ الفَضْلِ أَنَّ الإِنْسَانَ هُوَ بَرْزَخٌ بَيْنَ عَالَمِ المَلَائِكَةِ وَفِيهِ مِنْهُ العَقْلُ بِالمَدَدِ وَالإِشْرَاقِ، وَعَالَمِ الحَيَوَانِ وَفِيهِ مِنْهُ الشَّهْوَةُ وَالغَرِيزَةُ، فَمَنْ يَرْتَقِي بِالعَقْلِ فَوْقَ الشَّهْوَةِ يُمَاثِلُ المَلَائِكَةَ، وَمَنْ يَتَّبِعِ الشَّهْوَةَ وَيُهْمِلْ نِدَاءَ العَقْلِ يَكُونُ الحَيَوَانُ خَيْرَاً مِنْهُ، وَرَحِمَ اللهِ القَائِلَ:
إِبْلِيسُ وَالدُّنْيَا وَنَفْسِي وَالهَوَى | كَيْفَ الخَلَاصُ وَكُلُّهُمْ أَعْدَائِي |
فَإِبْلِيسُ لَعَنَهُ اللهِ بَيْتُهُ بَطْنُهُ وَسِجْنُهُ فِي الجُوعِ، فَالجَائِعُ يَنْحَصِرُ فِكْرُهُ فِي الطَّعَامِ وَإِذَا أَخَذَ مَا يَكْفُلُ بَقَاءَهُ مِنَ الغِذَاءِ وَمَلَكَ شَهْوَتَهُ فِي ذَلِكَ حَتَّى يَتَخَلَّصَ مِنْهَا يَكُونُ قَدْ تَخَلَّصَ مِنْ حُكْمِ إِبْلِيسَ لَعَنَهُ اللهِ، وَالدُّنْيَا بَيْتُهَا التَّرَفُ وَالتَّنَعُّمُ بِالمَتَاعِ الزَّائِلِ مِنْ طَعَامٍ وَشَرَابٍ وَشَهَوَاتٍ أُخْرَى، فَالَّذِي يُعَوِّدُ نَفْسَهُ عَلَى الخُشُونَةِ وَالتَّقَشُّفِ وَالصَّبْرِ عَلَى البَلَاءِ يَتَخَلَّصُ مِنْ حُكْمِ الدُّنْيَا عَلَى نَفْسِهِ فَيَكُونُ حُرَّاً وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ -عَزَّ عَزُّهُ- : مَنْ تَرَكَ الشَّهَوَاتِ صَارَ حُرَّاً،




