قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا﴾(1)، فَعُلِمَ أَنَّ السَّيِّدَ مُوسَى -عَزَّ عَزُّهُ- هُوَ حَدَثُ المِيمِ وَحَقِيقَةُ قَدَمِهِ هُوَ الَّذِي تَجَلَّى لَهُ فَجَعَلَهُ دَكًّا فَلَمْ يَثْبُتِ المُحَدَثُ لِلْقَدِيمِ وَكَانَ تَجَلِّي القَدِيمِ لِلْمُحْدَثِ بِمِقْدَارِ شِرَاكِ النَّعْلِ فَسُبْحَانَ رَبِّي العَظِيمِ وَتَعَالَى اللهُ عَمَّا يَصِفُونَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾(2)، أَيْ بَطُلَ حُكْمُ الحَدَثِ وَصَارَ الحُكْمُ لِلْحَقِّ فِي الصُّورَةِ، وَمِمَّا وَرَدَ فِي كِتَابِ الحَاوِي لِلشَّابِّ الثِّقَةِ أَبِي سَعِيدٍ المَيْمُونِ -قَدَّسَهُ اللَّهُ- عِنْدَمَا سُئِلَ عَنِ العَلَوِيِّينَ وَالحَسَنِيِّينَ وَالحُسَيْنِيِّينَ وَالأَشْرَافِ الَّذِينَ يَنْتَسِبُونَ إِلَى الأَئِمَّةِ وَالسُّؤَالُ كَيْفَ يَجُوزُ لِشَخْصٍ يَنْتَسِبُ إِلَى شَخْصٍ أَنْ يَجْعَلَهُ مَعْنًى وَيَعْتَقِدَ بِهِ؟ فَأَجَابَ: اعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ النِّسْبَةَ وَاقِعَةٌ عَلَى ظَوَاهِرِ المَعَانِي وَالحُجُبِ كَانْتِسَابِ اليَهُودِ إِلَى الأَسْبَاطِ وَهُمْ أَوْلَادُ يَعْقُوبَ ظَاهِرًا وَهَذِهِ النِّسْبَةُ وَاقِعَةٌ عَلَى ظَوَاهِرِ المَعَانِي فَظَوَاهِرُهُمْ أَبْشَارٌ وَبَوَاطِنُهُمْ غَيْرُ ذٰلِكَ وَاعْلَمُوا إِخْوَانِي المُؤْمِنِينَ أَنَّهُ إِذَا كَانَتِ الإِشَارَةُ إِلَى الرُّوحِ فَلَا يَكُونُ مَعَ اللَّهِ شَرِيكٌ فَالَتَّجَلِّي الأَرْضِيُّ البَشَرِيُّ رُوحَانِيٌّ وَالتَّجَلِّي السَّمَاوِيُّ نَوْرَانِيٌّ فَالحَقُّ -جَلَّ جَلَالُهُ- يَتَجَلَّى بِرُوحِ المُؤْمِنِ تَجَلِّيًا وَلَا يَحُلُّ حُلُولًا؛ لِأَنَّ الحُلُولَ صِفَةُ الأَشْيَاءِ الَّتِي تَنْحَصِرُ فِي المَكَانِ الَّذِي تَبْدُو مِنْهُ أَمَّا الحَقُّ فَإِنَّهُ مُطْلَقٌ وَلَهُ المَشِيئَةُ
1سورة الأعراف: الآية 143
2سورة الإسراء: الآية 81




