وَأَعْجَبُ العَجَبِ مِمَّنْ تَأْكُلُهُ الشَّهَوَاتُ الحَيَوَانِيَّةُ، وَيَمْلِكُهُ شَيْطَانُ نَفْسِهِ وَيَشْغَلُهُ حُبُّ الجَاهِ الزَّائِلِ، وَهَدَفُهُ إِعْمَارُ دَارِ الفَنَاءِ، كَيْفَ يَضَعُ نَفْسَهُ مَوْضِعَ أَهْلِ النَّورِ فَيَزْعُمُ أَنَّهُ يُطِيقُ العَدْلَ، وَيَعْرِفُ إِشَارَةَ أَهْلِ النَّورِ، فَيُوهِمُ نَفْسَهُ أَنَّهُ نَوْرَانِيٌّ وَهُوَ ظَلْمَانِيٌّ شَكْلًا وَمَضْمُونًا، فَيَأْخُذُ مَا لَيْسَ لَهُ، وَيَتْرُكُ مَا هُوَ لَهُ، فَهُوَ بِذٰلِكَ يَتَجَرَّأُ عَلَى اللهِ، وَيَطْلُبُ مِنْهُ العَدْلَ وَلَا يَعْتَرِفُ بِضَعْفِهِ وَيَبْحَثُ عَنْ مَظْهَرِ اللُّطْفِ وَالأُنْسِ القَرِيبِ مِنْهُ المَوْجُودِ لِأَجْلِهِ، وَقَدْ قَالَ المَوْلَى الصَّادِقُ -عَزَّ عَزُّهُ- : مَنْ أَقَرَّ فِي النَّوْرَانِيَّةِ وَأَنْكَرَ فِي البَشَرِيَّةِ كَانَ إِنْكَارُهُ خَيْرًا مِنْ إِقْرَارِهِ، وَيَقُولُ -عَزَّ عَزُّهُ- : أَخُوكَ رَبُّكَ، فَاعْبُدْ رَبَّكَ بِأَخِيكَ، تِبْيَانًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي الكِتَابِ العَزِيزِ: ﴿وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾(1)، إِذِ الأَخُ المُشَارُ إِلَيْهِ هُوَ الَّذِي يَخْتَصُّهُ اللهُ بِالمَقَامِ الإِلَٰهِيِّ "المَرْتَبَةِ الإِمَامِيَّةِ"، فَإِنَّ اللهَ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ خَلْقِهِ، قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ ۚ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ (2).
هَذَا أَمْرٌ مِنَ اللهِ لِكُلِّ مَنْ يَدْعُو اللهَ أَنْ يَتَعَرَّفَ عَلَى الوَسِيلَةِ، وَهِيَ الإِمَامُ الَّذِي هُوَ مَقَامُ اللهِ، وَيَقُولُ اللهُ فِيهِ: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾(3)




