وَأَشْهَدُ أَنَّ مَنْ سَاوَاكَ بِشَيْءٍ مِنْ خَلْقِكَ فَقَدْ عَدَلَ بِكَ، وَالعَادِلُ بِكَ كَافِرٌ بِمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ مُحْكَمَاتُ آيَاتِكَ وَنَطَقَتْ عَنْهُ شَوَاهِدُ حُجَجِ بَيِّنَاتِكَ، وَأَنَّكَ أَنْتَ اللهَ الَّذِي لَمْ تَتَنَاهَ فِي العُقُولِ فَتَكُونَ فِي مَهَبِّ فِكْرِهَا مُكَيَّفًا، وَلَا فِي رَوِيَّاتِ خَوَاطِرِهَا فَتَكُونَ مَحْدُودًا مُصَرَّفًا، وَهَٰكَذَا يُفْهَمُ الحَدِيثُ القُدْسِيُّ: كُنْتُ كَنْزًا خَفِيًّا، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أُعْرَفَ، فَخَلَقْتُ الخَلْقَ لِكَيْ يَعْرِفُونِي فَلِأَنَّ البَشَرَ لَا يُطِيقُونَ الظُّهُورَ النَّوْرِانيَّ كَانَ تَجَلِّي اللهَ -جَلَّ جَلَالُهُ- لِلْبَشَرِ كَالْبَشَرِ، أَيْ أَنَّهُ تَجَلَّى لِلْخَلْقِ بِصُوَرِهِمْ، فَظَهَرَ لِكُلِّ جِنْسٍ كَجِنْسِهِ، وَتَسَمَّى بِأَسْمَاءٍ وَصِفَاتٍ عُرِفَتْ بَيْنَ البَشَرِ، وَكَانَ لَهُ نَسَبٌ وَقَبِيلَةٌ، وَهُوَ يَجِلُّ فِي الحَقِيقَةِ عَنْ ذٰلِكَ، كَمَا قَالَ الإِمَامُ العَالِمُ -عَزَّ عَزُّهُ- : إِنَّ العَارِفَ هُوَ المُحْتَاجُ إِلَى الأَسْمَاءِ لِيَدْعُوَ بِهَا، وَإِلَى الصِّفَاتِ لِيَسْتَدِلَّ عَلَى الوُجُودِ مِنْهَا، وَلَوْ كَانَتِ الصِّفَاتُ لَا تَدُلُّ عَلَيْهِ، وَأَسْمَاؤُهُ لَا تَدْعُو إِلَيْهِ، لَكَانَ المَعْبُودُ غَيْرَهُ، وَالمَطْلُوبُ سِوَاهُ، إِنَّمَا كَانَ ظُهُورُهُ لُطْفًا مِنْهُ بِأَوْلِيَائِهِ، وَحُجَّةً عَلَى أَعْدَائِهِ.
قَالَ الشَّابُّ الثِّقَةُ أَبُو سَعِيدٍ المَيْمُونُ بْنُ القَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ -قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ- فِي كِتَابِ المَسَائِلِ جَوَابًا عَلَى مَسْأَلَةٍ عَنِ الحِجَابِ البَدَنِيِّ، فَقَالَ: لَوْ ظَهَرَ لِخَلْقِهِ بِخِلَافِ أَجْنَاسِهِمْ لَمْ يَفْهَمُوا عَنْهُ أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ لَا يُفْهَمُ إِلَّا إِذَا كَانَ مِنْ جِنْسِهِ وَصُورَتِهِ.




