وَأَمَّا القَوْلُ بَعْدَ المِزَاجِ: فَأَرَادَ اللّٰهُ سُبْحَانَهُ أَنْ يَمْتَحِنَهُمْ جَمِيعًا وَيَأْخُذَ عَلَيْهِمُ العَهْدَ وَالمِيثَاقَ فَقَالَ: ﴿أَلَسۡتُ بِرَبِّكُمۡ ۖ قَالُوا۟ بَلَىٰ﴾(1) وَشَهِدُوا لَهُ كَمَا شَهِدُوا مِنْ قَبْلُ بِإِقْرَارٍ وَعَهْدٍ وَثِيقٍ لَا زَيْغَ وَلَا مَيْلَ عَنِ الإِقْرَارِ الأَوَّلِ فِي الدَّعْوَةِ الأُولَى وَأَمَّا الكَافِرُونَ قَالُوا: بَلَا، إنْكَارًا لِلنُّورِ البَدِيءِ الأَحَدِيِّ، وَأَقَرُّوا بِوُجُودِ الَّذِي أَوْجَدَهُمْ مِنْ غَيْرِ مَعْرِفَةٍ بِظُهُورِهِ تَعَالَى، وَجَحَدُوْهُ لَمَّا ظَهَرَ كَمِثْلِ صُورَةِ آدَمَ فِي الحَجَبِ الظِّلْمِيَّةِ، وَنَسَبُوهُ لِلسِّحْرِ وَالكَهَنَةِ عِنْدَمَا أَوْرَى المَعَاجِزَ وَالقَدَرَ، فَالْمُؤْمِنُونَ رَأَوْهُ بِالأُلُوهِيَّةِ الرُّبُوْبِيَّةِ، وَالكَافِرُونَ رَأَوْهُ بِالبَشَرِيَّةِ المَرْبُوبِيَّةِ، لِقَوْلِ السَّيِّدِ أَبِي عَبْدِ الله:
لَا يَعْرِفُونَ إِلٰهً يَهْتَدُونَ بِهِ | إِلَّا الإِشَارَاتِ نَحْوَ الجَوِّ وَالطَّلَلِ |
وَقَوْلِ مَوْلَانَا الصَّادِقِ -عَزَّ عَزُّهُ- فِي كِتَابِ "الأَظِلَّةِ وَالأَشْبَاحِ": لِمَا سُمِّيَ إِبْلِيسُ إِبْلِيسًا؟ فَقَالَ: لأَنَّهُ أَبْلَسَ مِنْ رَحْمَةِ الله مُذْ سَهَا عَنْ مَعْرِفَةِ اللّٰهِ وَجَحَدَ رُبُوبِيَّتَهُ وَمَعْنَى إِبْلِيسَ أَي أَبْلَسَ فِي نَفْسِ الجَهْلِ، وَكَانَ اسْمُهُ ذَمًّا لأَنَّهُ ذَمَّ اللّٰهَ تَعَالَى حِينَ لَمْ يُعَرِّفْهُ نَفْسَهُ، فَسَمَّاهُ اللّٰهُ ذَمِيمًا فِي ذَمِيمٍ، مَخْذُولًا أَبَدًا فِي الأَظِلَّةِ وَالأَشْبَاحِ حِينَ لَمْ يُوَفِّقْهُ البَارِي لِلسُّجُودِ لِحِجَابِهِ لَمَّا ظَهَرَ بِآدَمَ».
وأما القول بعد المزاج: فأراد الله سبحانه أن يمتحنهم جميعا ويأخذ عليهم العهد والميثاق فقال: ﴿ألست بربكم قالوا بلى﴾(1) وشهدوا له كما شهدوا من قبل بإقرار وعهد وثيق لا زيغ ولا ميل عن الإقرار الأول في الدعوة الأولى وأما الكافرون قالوا: بلا، إنكارا للنور البديء الأحدي، وأقروا بوجود الذي أوجدهم من غير معرفة بظهوره تعالى، وجحدوه لما ظهر كمثل صورة آدم في الحجب الظلمية، ونسبوه للسحر والكهنة عندما أورى المعاجز والقدر، فالمؤمنون رأوه بالألوهية الربوبية، والكافرون رأوه بالبشرية المربوبية، لقول السيد أبي عبد الله:
لا يعرفون إله يهتدون به | إلا الإشارات نحو الجو والطلل |
وقول مولانا الصادق -عز عزه- في كتاب "الأظلة والأشباح": لما سمي إبليس إبليسا؟ فقال: لأنه أبلس من رحمة الله مذ سها عن معرفة الله وجحد ربوبيته ومعنى إبليس أي أبلس في نفس الجهل، وكان اسمه ذما لأنه ذم الله تعالى حين لم يعرفه نفسه، فسماه الله ذميما في ذميم، مخذولا أبدا في الأظلة والأشباح حين لم يوفقه الباري للسجود لحجابه لما ظهر بآدم».




